من النكبة إلى الهجرة الطوعية...أبعاد خطة بن غفير لإجهـ.ـاض حلم الدولة الفلسطينية

ياسر بركات
ياسر بركات

إن ثمة هندسة جديدة تُطبخ على نار هادئة وخشنة في آنٍ واحد ، ليست هذه الهندسة مجرد رد فعل عسكري عابر أو مناورة إنتخابية إسرائيلية تقليدية، بل هي إعادة صياغة جذرية لخارطة الجغرافيا والديمغرافيا في فلسطين التاريخية.
عن الوثيقة التفصيلية التي أعدها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير تحت عنوان الإنفصال 710 نتحدث وهي وثيقة تتألف من عشرين صفحة وتبشر بخطة خماسية إلى سباعية الأجل، تتلخص في هدف معلن وواضح: تفريغ قطاع غزة من كتلته البشرية عبر تهجير ما يقارب مليوناً و860 ألف فلسطيني من أصل أكثر من مليوني نسمة يقطنون القطاع.


إن المتأمل في بنود هذه الوثيقة الخطيرة يدرك تماماً أن الإستعمار الحديث لم يعد يمارس التهجير بأساليب القرن التاسع عشر الشاحبة، بل بات يغلفه بلغة الرعاية الإجتماعية وحزم الدعم الإقتصادي.
تعتمد خطة بن غفير التي جعلها شرطاً لائحياً ودستورياً لدخول حزبه عظمة يهودية في أي إئتلاف حاكم قادم . 
وتُقسّم عملية التهجير إلى محطات زمنية محددة:
المرحلة الأولى (السنة الأولى): تهجير 250 ألف فلسطيني خارج القطاع.
المرحلة الثانية (خلال ثلاث سنوات): إخراج 1.11 مليون فلسطيني.
المرحلة النهائية (خلال سبع سنوات): إتمام تهجير 1.86 مليون فلسطيني، بحيث لا يبقى في القطاع سوى أقليات ضئيلة لا تشكل أي ثقل ديمغرافي أو سياسي.
ولكي تكتمل أركان الجريمة بحسب الوثيقة، يطالب بن غفير بإنشاء وزارة للهجرة تتولى إدارة الملف برصد ميزانيات ضخمة تتراوح بين 10 مليارات شيكل (نحو 3.1 مليار دولار) كإستثمار أولي، وتصل إلى 50 مليار شيكل تمول جزئياً عبر حزم دولية أو إتفاقيات ثنائية مع دول المقصد.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في الأرقام، بل في الفلسفة التضليلية التي تقوم عليها الخطة ، الوثيقة تتحدث عن تقديم حزم إستيعاب وتأهيل مهني، ودعم سكن لمدة 24 شهراً، فضلاً عن تقديم مكافآت مالية للدول التي تقبل إستقبال المهاجرين ، حيث جرى تداول أسماء دول في أفريقيا وآسيا ، إنه تحويل واضح ومكشوف لجريمة التطهير العرقي المحرمة صراحةً في إتفاقيات جنيف لعام 1949، إلى مشروع لوجستي وإنساني مزيف يُعرض على المائدة الدولية.
من الناحية التاريخية والسياسية، لا يمكن فصل طرح بن غفير عن المسار الممتد للصهيونية العميقة ، إن ما يطرحه بن غفير اليوم ليس سوى إستدعاء صريح لأفكار قديمة . 
لكن الجديد في هذا الطرح هو إستغلال واقع الدمار الشامل الذي أحدثته الحرب في قطاع غزة؛ حيث أصبحت البيئة الحياتية مقوماتها معدومة ،الماء، الكهرباء، المستشفيات، المدارس، هنا يلتقي العنف العسكري المباشر مع الحصار الناعم لإنتاج واقع يجعل البقاء على الأرض أشبه بالمستحيل، وبالتالي يُجبر المواطن الفلسطيني على البحث عن مخرج، لتُسمى هذه الجريمة قسراً بـ الهجرة الطوعية.
اليمين الإسرائيلي الإستيطاني أدرك أن فرصة إعادة تشكيل غزة ديمغرافياً لن تتكرر، وأن الإستفادة من الغطاء السياسي والأفكار التي طُرحت في واشنطن في فترات سابقة توفر فرصة تاريخية للقفز فوق كافة الخطوط الحمراء الدولية.
إن تفريغ قطاع غزة من 1.86 مليون فلسطيني ينطوي على تداعيات جيوسياسية وحضارية تمس جوهر القضية الفلسطينية برمتها.

إن الدولة في القانون الدولي تتكون من أرض وشعب وسلطة ، وحين يتم إنتزاع غزة ديمغرافياً وتحويلها إلى مجرد شريط أمني أو منتجعات سياحية ومستوطنات كما يحلم غلاة الإستيطان، يتم ضرب الوحدة الجغرافية للدولة الفلسطينية المأمولة (الضفة وغزة) في مقتل. 
كما أن تهجير نحو مليوني فلسطيني هو تكريس لمفهوم النكبة المستمرة ، وهذا يعيد تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني وحق تقرير مصير إلى مشكلة لاجئين وتوزيع سكاني تبحث عن حلول إنسانية في قارات العالم المختلفة.
وإذا كان مجتمع غزة نفسه ،وهو الذي يشكل اللاجئون الأصليون نسبة كبيرة منه ، سيتعرض لتهجير ثاني وثالث، فإن ملف حق العودة يُنسف بالكامل من أي مفاوضات مستقبلية.
إن تصفية ملف غزة عبر هذا التهجير الممنهج يسمح للتيار الإستيطاني بالتفرغ التام للضفة الغربية، وهو ما صرح به وزراء آخرون مثل سموتريتش، مما يعني الإجهاز النهائي والكامل على ما يُسمى بـ حل الدولتين.
ورغم ذلك فإن خطة بن غفير تصطدم بجدار من الصعوبات التي تجعل تنفيذها محاطاً بمخاطر إقليمية ودولية ،
فتقف الدولة المصرية ومعها الدول العربية موقفاً حاسماً ورافضاً لأي شكل من أشكال التهجير قسرياً كان أم طوعياً ، بإعتبار أن تهجير الفلسطينيين ينطوي على تهديد مباشر للأمن القومي العربي وللسيادة الوطنية، فضلاً عن كونه تصفية معلنة للقضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.
إن التهجير القسري للسكان تحت الإحتلال يرقى إلى مستويات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفقاً لميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وإذا كانت القوى اليمنية تحاول فرض هذا الخيار كواقع سياسي وإنتخابي، إلا أن هناك أوساطاً أمنية وسياسية إسرائيلية تحذر من أن فتح هذا الباب سيعزل إسرائيل تماماً في الساحة الدولية ويؤدي إلى إنفجار الموقف مع العواصم العربية.
إن قراءة هذه المذكرة التي يقدمها بن غفير تجعلنا أمام لحظة فارقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ، إنها تضع الجميع أمام الحقيقة المجردة: إن الصراع لم يكن يوماً على حدود وهمية أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل هو صراع على الوجود والكرامة وحق البقاء على الأرض.
قد يظن اليمين المتطرف في تل أبيب أن إختلال موازين القوى والدعم الدولي المتذبذب كفيلان بتمرير مشاريع التهجير والتطهير العرقي تحت مسميات براقة مثل الانفصال 710 ، ولكن الدروس القاسية للتاريخ تؤكد دائماً أن الشعوب المتمسكة بأرضها لا يمكن محوها بمجرد وثائق بيروقراطية أو خطط إنتخابية ، إن خطة تهجير مليون و860 ألف فلسطيني من غزة ليست مجرد خطة سياسية، بل هي مشروع لتفجير المنطقة برمتها، وإغلاق الباب أمام أي أمل في الإستقرار أو السلام الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.

 

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

من النكبة إلى الهجرة الطوعية...أبعاد خطة بن غفير لإجهـ.ـاض حلم الدولة الفلسطينية

بقلم ياسر بركات