صيد في بحر النار.. تفاصيل محاولة النيل من القيادة العسكرية لغزة
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد جولة جديدة من التصعيد ولا هو مجرد رد فعل إسرائيلي على حادثة بعينها. نحن أمام استراتيجية أرض محروقة مكتملة الأركان، تُدار بعقلية الثأر السياسي والتفوق العسكري المطلق، مستندة إلى غطاء سياسي ودبلوماسي من واشنطن لا يكتفي بالصمت، بل يوفر السلاح والغطاء القانوني لمنع أي محاسبة.
العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تخطت المفهوم التقليدي لـ الردع أو تفكيك البنية التحتية للفصائل. إن ما يجري على الأرض في غزة، هو عملية تفكيك منظّم لمقومات الحياة البشرية.
لم يعد الهدف معسكراً أو مستودعاً للسلاح، بل أصبحت المستشفيات، والمدارس، ومحطات تحلية المياه، والمخابز، أهدافاً مشروعة ضمن عقيدة الضغط الإنساني الأقصى، الهدف غير المعلن لهذه الاستراتيجية هو جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للسكن الآدمي لعقود قادمة، بما يدفع أهالي القطاع ، وهم يواجهون المجاعة والأوبئة ،نحو خيار التهجير القسري أو النزوح الأبدي.
أما في الضفة الغربية، فإن المشهد لا يقل خطورة. لم تعد المسألة اقتحامات خاطفة، بل عمليات عسكرية موسعة تستخدم فيها الطائرات المسيّرة، والمساندة الجوية، والتدمير الممنهج للبنية التحتية، بالتوازي مع إطلاق يد المستوطنين المسلحين لتصفية الوجود الفلسطيني في المناطق (ج). إن المخطط هنا يهدف إلى تفكيك أي كيانات فلسطينية متصلة، والقضاء نهائياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية مجاورة، من خلال فرض سياسة الأمر الواقع.
في وسط هذه اللوحة القاتمة، أخذت عمليات الاغتيال الممنهجة بُعداً مركزياً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية المجرمة للوصول إلى ما يُسمى النصر المطلق. وفي هذا السياق تم الكشف عن تفاصيل محاولة الاغتيال التي استهدفت علي العمودي، الذي يُعد أحد أبرز القيادات العسكرية والعملياتية المحركة لقطاع غزة ميدانياً.
العملية جاءت إثر جهد استخباري مكثف اشتركت فيه أجهزة الاستخبارات الإسرائيليةبالتعاون مع تقنيات الرصد والاستطلاع الأمريكية المتقدمة في المنطقة. وتُشير المعلومات إلى أن العمودي، الذي كان يتولى إدارة الملف الميداني والعسكري وتنظيم خطوط الدفاع والسيطرة في القطاع وسط ظروف الاستهداف الشامل، تم تتبعه عبر شبكة تعقب معقدة اعتمدت على اختراقات تكنولوجية وتحليل البصمات الصوتية والحرارية لمحيطه التنفيذي.
تمثلت المحاولة في ضربة جوية مركزة استهدفت مقراً قيادياً زُعم أنه يتواجد فيه أسفل الأرض أو ضمن مبنى ممتد، باستخدام قنابل خرق التحصينات ،ورغم حجم الدمار الناتج والهالة الإعلامية التي رافقت الإعلان عن الضربات، إلا أن العمودي نجا من المحاولة أو استطاع الخروج منها قبل دقائق من تنفيذ الضرب الهيكلي الكامل، مما شكل ضربة لمعنويات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تمني النفس بالتقاط صورة نصرتسوّقها للرأي العام الداخلي.
شبكة السيطرة والقيادة للفصائل في غزة، رغم حجم الحصار والدماء والخراب، ما زالت تتمتع بدرجة عالية من المرونة والتخفي والقدرة على مناورة أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية.
لقد تهاوت أوهام الهندسة الإقليمية الجديدة التي كانت تسعى لتجاوز القضية الفلسطينية عبر اتفاقيات تطبيع مجانية. لقد أثبتت الحوادث أن القضية الفلسطينية هي الجذر والأساس؛ فلا استقرار في الشرق الأوسط دون حل عادل يضمن الحقوق الفلسطينية.
وسقطت الشعارات التي طالما تغنى بها الغرب حول قواعد القانون الدولي والحقوق الإنسانية. إن الانحياز الأمريكي والغربي الكامل للجريمة الإسرائيلية أدى إلى تعميق الفجوة بين الغرب والشرق الأوسط، وأوجد حالة من الغليان الشعبي والاحتقان الذي قد يتفجر في أي لحظة بوجه العروش والمصالح الأجنبية.
إن الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة تُراهن على القوة الغاشمة لإعادة تركيع الجغرافيا والإنسان. ولكن التاريخ علّمنا أن السلاح قد يكسب معركة، لكنه أبداً لا يحسم صراعاً ضد أمة تقاتل من أجل وجودها وأرضها.
إن غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية تحترق تحت القصف، بل هي مرآة الحقيقة للشرق الأوسط بأكمله. وإذا كانت إسرائيل تعتقد أن اغتيال القادة، وتدمير الأحياء، وتهجير السكان سيمنحها الأمان، فإنها تغفل عن الحقيقة الكبرى: إن من رحم هذه النار، ومن بين هذا الركام، يُولد جيل جديد لا يعرف الخوف، وستبقى المنطقة تسبح فوق بركان ثائر حتى يعود الحق لأصحابه .