هل أحرق ترامب أوراق إبستين أم احترق بها؟
أشباح "جزيرة الشيطان" تطارد البيت الأبيض
ليست هناك حيرة أكبر من التى يعيشها المجتمع الأمريكى بعد فضائح الجزيرة الملعونة، والسؤال لم يعد قاصراً على موقف الرئيس ترامب، بل تجاوز ذلك إلى السؤال عن معنى التقدم وسيادة العالم بينما الواقع كشف مهازل أخلاقية تجعل كل الشعارات عن الريادة والسيادة والتقدم أوهام تم تصديرها للعالم بينما المجتمع الأمريكى يعيش فى ماخور الفساد الأخلاقى ،ووسط العاصفة التي تضرب واشنطن حاليا، لم يعد الصراع في أروقة السلطة يقتصر على الميزانيات أو السياسات الخارجية، بل انتقل إلى المنطقة المظلمة التي تركها الملياردير جيفري إبستين.
دونالد ترامب لم يخجل ولم يتوارى ووقف مؤخراً ليعلن بصوته الجهوري أن ملايين الوثائق التي أفرجت عنها إدارته "تبرئه تماماً"، لم يكن يخاطب القضاء بقدر ما كان يحاول ترويض وحش إعلامي كاسر يرفض الموت.
فالتصريحات الأخيرة لترامب لم تكن مجرد دفاع قانوني، بل كانت مناورة سياسية بإمتياز ،حاول من خلالها قلب الطاولة على خصومه، مدعياً أن "الدولة العميقة" هي من حاولت لسنوات ربط اسمه بتلك الجزيرة سيئة السمعة، بينما الحقيقة — حسب روايته — تكمن في أرشيف الديمقراطيين وحدهم.
غير ان القصة التي يحاول ترامب تسويقها اصطدمت بجدار صلب من التشكيك في الداخل الأمريكي. فبينما كان الرئيس يتحدث عن "الشفافية المطلقة"، كانت كبريات الصحف مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" تنبش في تفاصيل " التصحيح والتنقيح" الذي طال تلك الوثائق؛ حيث ظهرت صفحات كاملة مغطاة باللون الأسود تحت ذريعة الأمن القومي، مما طرح تساؤلاً حارقاً في الشارع الأمريكي: إذا كانت الوثائق تبرئك يا سيادة الرئيس، فلماذا كل هذا الحبر الأسود الذي يخفي الأسماء والتفاصيل؟ هذا التناقض أوجد حالة من الغليان الشعبي، حيث لم يعد المواطن الأمريكي يكتفي ببيانات البراءة، بل بات يرى في قضية إبستين "صندوقاً أسود" لنظام سياسي كامل يرفض كشف عوراته.
على الجبهة الإعلامية، تحولت القنوات الإخبارية إلى ساحات حرب مفتوحة؛ ففي الوقت الذي اعتبرت فيه "فوكس نيوز" أن ترامب هو "البطل الذي كسر حاجز الصمت" وفضح النخبة الليبرالية، كانت منصات أخرى تحلل لغة جسد الرئيس ونبرة صوته التي حملت، حسب محللين نفسيين، نوعاً من "الهجوم الدفاعي".
لقد نجح ترامب في نقل المعركة من ساحة الجريمة الأخلاقية إلى ساحة الاستقطاب الحزبي، مما جعل قضية إبستين مجرد سلاح آخر في الترسانة الانتخابية، وهو ما يراه الضحايا والمدافعون عن حقوق الإنسان طعنة جديدة في قلب العدالة، حيث تحولت مآسيهم إلى مجرد "نقاط سياسية" يتم تبادلها بين الحزبين.
سياسياً، وضع ترامب نفسه في فوهة المدفع؛ فبدلاً من أن تغلق الوثائق الملف، فتحت أبواب الجحيم على تساؤلات تتعلق بآلية النشر وتوقيتها. وفي حين يلتف مؤيدوه حوله معتبرين أن أي هجوم عليه هو محاولة لـ "اغتيال الشخصية"، يرى قطاع واسع من المستقلين أن إصرار الرئيس على تكرار نغمة البراءة دون تقديم النسخ الكاملة غير المصححة والمنقحة يزيد من ضبابية المشهد. إن الولايات المتحدة اليوم تعيش حالة من "الفصام المعلوماتي"، حيث تقف الحقيقة والخيال جنباً إلى جنب في ملف واحد، مما يترك الشعب الأمريكي في حيرة من أمره: هل يقودهم ترامب نحو الحقيقة المجردة، أم أنه ينسج ببراعة فصلاً جديداً من فصول التغطية على أسرار النخبة التي لا تزال تسكن الظلام؟ الأيام المقبلة ومع تتدفق المعلومات سنرى ماذا سيفعل الرئيس الأمريكى مع منظمات حقوق الإنسان ومع الشعارات التى يرفعها المجتمع الدولى ،وربما تكون نهاية فصل كامل من سيطرة أمريكية على العالم.
اقرا أيضا:
ياسر بركات يكتب:دموع الساجدين فى قبضة الملاعين.. لماذا تسلل "إبستين" إلى قلب مكة ؟!
ياسر بركات يكتب : صراع الحيتان علي ”لقاح ” النجاة من جحيم كورونا

