هندسة الخوف.. كيف تحوّلت الإتفاقات الإبراهيمية من خيار دبلوماسي إلى أمر عسكري؟

ياسر بركات
ياسر بركات

منذ ساعات قليلة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته الرقمية ليعلن ما يشبه المرسوم الإمبراطوري الجديد التوقيع على الإتفاقات الإبراهيمية بات لزاماً كشرط لوقف الحرب الأمريكية الإيرانية ، وهنا، نحن ، لسنا أمام مجرد مناورة دبلوماسية، بل نحن أمام محاولة هندسة وراثية  للبنية السياسية في المنطقة بأسرها. ترامب لا يقدم مقترحاً، بل يفرض كتالوجاَ أمريكياً جديداً، واضعاً العواصم الكبرى أمام خيار حاسم: إما الدخول في مظلة السلام الإبراهيمي  وإما البقاء في دائرة الإستهداف الإستراتيجي.
إذا أردنا فهم المشهد، فعلينا أولاً أن نفكك شفرة العقلية السياسية التي تدير البيت الأبيض اليوم ، دونالد ترامب لا يرى الشرق الأوسط بعيون كسنجر المعقدة، ولا بآمال كارتر الأخلاقية؛ إنه يراه عبر شاشة حسابات الربح والخسارة ، بعد أشهر من المواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران، وضربات طالت المنشآت النووية الإيرانية، يعرض ترامب صفقة القرن الشاملة.
المنطق الترامبي واضح ومباشرتريدون وقف الحرب ؟ تريدون رفع الحصار والإعتراف بوجودكم ؟ إذن، الثمن هو صك الإعتراف بإسرائيل وتوسيع رقعة الإتفاقات الإبراهيمية لتصبح حلفاً إقليمياً واسعاً ،الرجل أعلن بوضوح أن إنضمام دول مثل السعودية، وقطر، ومصر، والأردن، وتركيا، وباكستان، إلى هذا الإطار لم يعد تفاوضياً، بل هو طلب إلزامي لحسم التسوية مع إيران، مشيراً إلى أن الرفض يعني سوء نية  يستوجب العزل أو العقاب.


هنا نأتي إلى السؤال المركزي والمثير للدهشة، والذي بات مطروحاً هل يمكن لإيران بعد كل هذا العداء الوجودي مع إسرائيل، أن تنضم للإتفاقات الإبراهيمية؟
حين ننظر إلى طهران اليوم، نراها تعيش تحت وطأة المطرقة والسندان ، لقد أثخنت الحرب الأمريكية الأخيرة جسد الإقتصاد الإيراني، وباتت مخزوناتها من اليورانيوم المخصب رهينة شروط واشنطن القاسية ،فترامب لم يكتفِ بإلزام الحلفاء، بل لوّح بأن الجمهورية الإسلامية نفسها قد تكون جزءاً من هذه الإتفاقية في حال إتمام الإتفاق الشامل معه. 


في تقديري، ومن واقع قراءتي لتاريخ الدبلوماسية الإيرانية القائمة على مبدأ التقية السياسية وتجرع كأس السم عند الضرورة كما فعل الإمام الخميني عام 1988 لوقف الحرب مع العراق.
طهران لن تعترف بإسرائيل علناً وبشكل روتيني غداً صباحاً، فهذا يعني إنتحاراً أيديولوجياً للنظام وسقوطاً لشرعية محور المقاومة .


لكن إيران قد تقبل بصيغة تعايش أمر واقع تحت مظلة أمريكية، حيث تتعهد بوقف تسليح الفصائل وتجميد طموحها النووي مقابل بقاء النظام ورفع العقوبات، مما يجعل إنضمامها غير المباشر للترتيبات الأمنية الإقليمية أمراً قابلاً للنقاش خلف الأبواب المغلقة، إنها البراجماتية حين تصبح المسألة مسألة حياة أو موت. 


والحديث عن إلزامية التوقيع وضع العواصم الإقليمية في عين العاصفة ، فكيف تبدو لوحة المواقف حسب القراءة الإستراتيجية الحالية؟
الموقف السعودي يظل هو الجائزة الكبرى في هذه اللعبة ، الرياض، ورغم الضغوط الترامبية المتصاعدة التي تطالبها بالتوقيع الفوري والمتزامن مع قطر، تتمسك بثوابت إستراتيجية تتعلق بالقضية الفلسطينية والضمانات الأمنية الأمريكية المباشرة ، أما قطر، التي تلعب دور الوسيط الإقليمي الحذر، فإنها تجد نفسها أمام معضلة الموازنة بين علاقاتها مع طهران وإلتزاماتها مع الشريك الأمريكي الضخم.


أما دول الطوق مصر والأردن،
هذه الدول لديها بالفعل معاهدات سلام تاريخية مع إسرائيل، لكن إقحامها في إلزامية الإتفاقات الإبراهيمية ضمن سياق تسوية الملف الإيراني يعيد صياغة أدوارها ، القاهرة وعمّان تنظران بقلق إلى أي ترتيبات إقليمية تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتخشيان من أن يؤدي الحلف الإبراهيمي إلى تهميش دورهما التقليدي لصالح تحالفات تكنولوجية وعسكرية جديدة تقودها تل أبيب ودول الخليج.


والأطراف الخارجية تركيا وباكستان،
دخول تركيا وباكستان على خط المطالب الترامبية يمثل توسيعاً جغرافياً مرعباً لـ الناتو الشرق أوسطي ، أنقرة برئاسة أردوغان، والتي تتقلب مواقفها بين التصعيد الإيديولوجي والبراجماتية الإقتصادية، تجد نفسها في موقف حرج، بينما تعاني باكستان من أزمات إقتصادية طاحنة قد تجعل من الصعب عليها قول لا لطلب أمريكي حازم.


إننا ، لسنَا أمام مجرد تراجع إيراني أو إندفاعة أمريكية؛ إننا أمام تصفية تاريخية للمفاهيم التي عاشت عليها المنطقة لعقود، للأسف والأسى هذه التطورات فرصة ذهبية لبناء نظام إقليمي يدمج إسرائيل إقتصادياً وعسكرياً في قلب المنطقة، ويقطع الطريق على التمدد الصيني والروسي. لكن هذا التصور، على رونقه الإستراتيجي في عيون واشنطن، يغفل حقيقة تاريخية كبرى إن السلام الذي يصنع بضغط المناشير الإلزامية ومنطق القوة العارية، دون حل جذري لجوهر الصراع الإقليمي المتمثل في القضية الفلسطينية، يظل سلاماً هشاً فوق أرض تهتز.


قد ينجح ترامب في إنتزاع توقيعات بروتوكولية، وقد تجد طهران نفسها مجبرة على الإنحناء للعاصفة الأمريكية، ولكن يبقى السؤال المعلق في فضاء التاريخ: هل تستطيع الأوراق الموقعة في الحجرات المغلقة أن تمحو عقوداً من العداء والكراهية في وجدان الشعوب؟ الخوف كل الخوف، أن نكون بصدد بناء قصر من الثلج في وادٍ ملتهب بالحرارة والحرائق

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

هندسة الخوف.. كيف تحوّلت الإتفاقات الإبراهيمية من خيار دبلوماسي إلى أمر عسكري؟

بقلم ياسر بركات