تمكين الجيل القادم: لماذا يمثل رأس المال البشري الإرث الأكثر استدامة لمحطة الضبعة؟

تمكين الجيل القادم
تمكين الجيل القادم

عندما يتجه الطموح نحو المشروعات القومية الكبرى، غالباً ما ينصب التركيز على قيمتها المادية؛ فالطرق تُحسّن حركة التنقل، والموانئ تُسهّل حركة التجارة، ومحطات الطاقة تولد الكهرباء، لكن المشروعات الوطنية الأكثر نجاحًا هي تلك التي تصنع شيئًا يفوق ذلك قيمة: إنها تصنع الإنسان.
 

إنها تطور قدرات المهندسين الذين سيديرون صناعات الغد، والعلماء الذين سيقودون عجلة الابتكار، والقوى العاملة الماهرة القادرة على استدامة النمو الاقتصادي لفترات طويلة بعد اكتمال أعمال البناء، وفي ظل اقتصاد المعرفة المعاصر، باتَ تطوير رأس المال البشري لا يقل أهمية عن تشييد البنية التحتية المادية ذاتها.
 

ويقع هذا المبدأ في جوهر "رؤية مصر 2030"، التي ترتكز على التعليم والابتكار وبناء القدرات كمحركات أساسية للتنمية المستدامة، كما أنه يمثل إحدى السمات البارزة للبرنامج النووي المصري السلمي، ورغم أن محطة الضبعة النووية تحظى باعتراف واسع كأحد أكبر مشروعات الطاقة الاستراتيجية في مصر، إلا أن دورها باعتبارها واحدة من أكبر استثمارات الدولة في رأس المال البشري لا يزال أقل تداولاً وتسليطاً للضوء.
 

واليوم، تعد الضبعة أحد أكبر مواقع الإنشاءات النووية على مستوى العالم، حيث يعمل بها أكثر من 20 ألف عامل، وهو رقم مرشح للزيادة مع تقدم أعمال البناء، وبعيدًا عن إسهامه المباشر في توليد الكهرباء، يتيح المشروع بالفعل فرصًا جديدة للمقاولين والموردين وشركات الخدمات المصرية، مما يخلق طلبًا إضافيًا في قطاعات التشييد، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، وغيرها من الصناعات المغذية.
 

ووفقًا لتقديرات شركة "روساتوم"، يُتوقع أن تحقق مرحلة تشييد المشروع وحدها قيمة مضافة تتجاوز 5 مليارات دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ما يعادل نحو 1.5% منه، فضلاً عن ذلك، فإن التوليد الموثوق للطاقة النووية سيعزز أمن الطاقة في مصر، ويُتيح توجيه حصة أكبر من الهيدروكربونات (النفط والغاز) نحو التصدير أو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مما يرفع الكفاءة التنافسية للاقتصاد المصري على المدى الطويل.
 

إن بناء محطة للطاقة النووية يتطلب ما هو أبعد بكثير من الخبرة الهندسية؛ إذ يستلزم مشغلين وجهات رقابية وفنيين وباحثين ومتخصصين في السلامة على أعلى مستوى من التأهيل، قادرين على المحافظة على أرفع المعايير الدولية طوال العمر التشغيلي للمحطة البالغ ستين عامًا، ولهذا السبب، اهتمت شركة روساتوم بتطوير القوى العاملة جنبًا إلى جنب مع أعمال الإنشاء منذ اللحظة الأولى.
 

ومنذ عام 2015، تعاونت "روساتوم" مع الشركاء المصريين لإعداد علماء الغد ومتخصصي الطاقة النووية في البلاد، وتخصص وزارة العلوم والتعليم العالي الروسية سنويًا منحًا دراسية للطلاب المصريين لدراسة التخصصات النووية في كبريات الجامعات الروسية، وحتى اليوم، أتم أكثر من 100 متخصص مصري تعليمهم عبر هذه البرامج، مما أثمر قاعدة متنامية من الخبرات الوطنية التي ستدعم برنامج مصر النووي السلمي لعقود مقبلة.
 

أما على المستوى التشغيلي، فإن التحضيرات تبدو أكثر شمولاً؛ فبحلول عام 2028، سيكون مئات المتخصصين المصريين قد أتموا تدريبًا مكثفًا لإدارة محطة الضبعة النووية وتجربتها، ويجمع برنامجهم التعليمي بين الدراسة النظرية في "أكاديمية روساتوم الفنية" في سانت بطرسبرغ، والتدريب على أجهزة المحاكاة، وفترات المعايشة العملية في محطات طاقة نووية روسية قيد التشغيل؛ مما يضمن تسلحهم بالمعرفة الأكاديمية والخبرة التشغيلية الحقيقية معًا قبل دخول المحطة مرحلة التشغيل التجاري.
 

وفي العام الماضي، شهد هذا الالتزام طويل الأجل ببناء القدرات دفعة قوية بافتتاح «مركز التدريب والإنتاج» في مشروع الضبعة، وتعمل هذه المنشأة كمركز متخصص لتدريب القوى العاملة، وتقييم المؤهلات، وضبط الجودة، ومتابعة الأفراد، ويضم المركز ورشة إنتاج وأجهزة محاكاة كاملة، ومعدات حرارية وميكانيكية وكهربائية حقيقية وردت من كبار المصنعين الروس، بالإضافة إلى قاعات دراسية حديثة للتعليم النظري والحوسبي. ويتييح هذا كله للمتخصصين المصريين التدرب على تقنيات ومعدات تحاكي بدقة تلك المستخدمة في المحطة المستقبلية.
 

تمكين الجيل القادم

والأهم من ذلك، أنه يخدم الهدف المشترك المتمثل في تطوير كفاءات وطنية رفيعة المستوى، لا تقتصر مهمتها على الإسهام في بناء محطة الضبعة فحسب، بل تمتد لتضمن تشغيلها الآمن والموثوق والفعال طوال دورة حياتها الكاملة.
 

ومع ذلك، فإن إعداد قادة المستقبل يبدأ قبل المرحلة الجامعية بكثير. وتعد الشراكة المستدامة لروساتوم في دعم تعليم العلوم ونشر الوعي العام بين الشباب أحد أبرز جوانب حضورها في مصر، وتأتي مبادرات مثل "مهرجان العلومScience Festival-"، وبرنامج "الذرة لتمكين إفريقيا-Atoms Empowering Africa"، و"الاختبار الذري العالميGlobal Atomic Quiz-" لتشجع طلاب المدارس والجامعات على اكتشاف كيف تسهم التكنولوجيات النووية السلمية في مجالات تفوق توليد الكهرباء، مثل الرعاية الصحية، والزراعة، وإدارة المياه, وحماية البيئة.
 

وعلى سبيل المثال، أتاح برنامج "الذرة لتمكين إفريقيا-Atoms Empowering Africa" لطلاب الجامعات المصرية فرصة التواصل مع أقرانهم من مختلف أنحاء القارة، وتقديم أفكار مبتكرة حول دور التقنيات النووية في مستقبل إفريقيا، وهذا العام، شارك أحد الفائزين المصريين في "مدرسة أوبنينسك الصيفية" ومنتدى "أوبنينسك نيو" الدولي للشباب النووي ، ما منحه فرصة الاحتكاك المباشر بالمجتمع النووي العالمي.
 

كما شاركت مصر للعام الثاني على التوالي في بعثة "روساتوم" لاستكشاف القطب الشمالي على متن كاسحة الجليد ضمن فعاليات مسابقة "كاسحة الجليد للمعرفة" وسينضم الفائز المصري هذا العام إلى طلاب متميزين من 22 دولة أخرى على متن كاسحة الجليد النووية (50 عاماً على النصر) في رحلة علمية إلى القطب الشمالي؛ وهي تجربة صُممت لإشعال شغف المعرفة، وتعزيز التعاون الدولي، وبناء القيادات العلمية الواعدة.

ومن خلال مشاركتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، شاركت روساتوم مع آلاف الزوار، الاستخدامات السلمية للتكنولوجيات النووية، مما ساعد في تبديد المفاهيم المغلوطة الشائعة، واستعراض تطبيقاتها الحيوية في الطب والزراعة والصناعة والتنمية المستدامة، وبالمثل، تحفز مبادرات مثل رعاية بطولات الشطرنج التفكير الاستراتيجي، والتطور الفكري، والتبادل الثقافي بين الشباب المصري.
 

إن هذه المبادرات ليست مجرد فعاليات تعليمية منفصلة، بل تشكل مسارًا متصلاً يبدأ بإثارة الفضول المعرفي، وصقل المعرفة العلمية، وبناء الخبرة المهنية، وينتهي بإعداد القوى العاملة المؤهلة لدعم طموحات مصر التكنولوجية طويلة المدى.

ولعل هذا هو الدرس الأبرز المستفاد من مشروع محطة الضبعة.

فغالبًا ما يُختزل الحديث عن الطاقة النووية في أطر توليد الطاقة النظيفة، وأمن الطاقة، والأهداف المناخية، وكلها غايات جوهرية بلا شك، بيد أن قيمتها البعيدة المدى تمتد لأبعد من ذلك بكثير، إن التكنولوجيات النووية السلمية تفتح آفاقاً رحبة في الطب، والزراعة، والبحث العلمي، والتصنيع المتقدم؛ فهي تعزز القدرات الصناعية، وتحفز الابتكار، وتساعد الدول على تطوير العمالة الماهرة المطلوبة لاقتصاد تنافسي قائم على المعرفة.
 

وبناءً على ذلك، فإن إرث الضبعة بالنسبة لمصر لن تحدده فحسب أربعة مفاعلات من الجيل الثالث المطور (+III) أو كمية الكهرباء التي ستضخها؛ بل سيتجسد في آلاف المهندسين والعلماء والفنيين والمبتكرين المصريين الذين ستظل معارفهم ومهاراتهم وقدراتهم القيادية تخلق قيمة مضافة للبلاد عقودًا تلو عقود.

وفي المحصلة، فإن البنية التحتية قد تغير وجه الاقتصاد، ولكن الإنسان هو من يصنع تحول الأمم ونهضتها.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

من قرطاج إلى أصفهان ... الشرق الأوسط في دائرة الحريق الكبير

بقلم ياسر بركات