أقنعة السلام وبارود الواقع... مسرحية السلام بين ترامب ونتنياهو
عندما ننظر إلى مسرح الحوادث في الشرق الأوسط، يتبدى لنادائماً أن هناك فارقاً شاسعاً بين ما يُصنع في الغرف المغلقة من سيناريوهات وما يجري على الأرض من حقائق ودم ، ولعل المشهد الأخير الذي تابعناه في الساعات الماضية يقدم نموذجاً صارخاً لهذه الفجوة؛ حيث تقف المنطقة مرة أخرى أمام ما يمكن تسميته بالتناقض الاستراتيجي الكامل، إعلان إستعراضي من البيت الأبيض عن التوصل لإتفاق سلام وتسليم السلاح، يعقبه في غضون ساعات معدودة إنفجار البارود وقصف المستشفيات في قطاع غزة.
إن الذين يتابعون حركة التاريخ وخرائط القوة يعلمون تماماً أن السلام ليس عبارة تُلقى في مؤتمر صحفي، ولا وثيقة تُوقع تحت أضواء الكاميرات بينما أدوات الحرب ما تزال متأهبة للإفتراس،ما شهدناه لم يكن سوى عرضٍ هزلي يكشف بوضوح أن عقيدة البطش والبلطجة السياسية والعسكرية لا تزال هي المحرك الرئيسي لآلة الحرب الإسرائيلية، بغطاء ودعم لا يخطئه العقل من الإدارة الأمريكية.
إذا أردنا أن نقرأ المشهد بأسلوب يستحضر عمق التحليل الإستراتيجي، فلا بد أن نطرح السؤال الأهم، عن أي سلام يتحدث البيت الأبيض عندما يطالب بتسليم السلاح والفصائل تحت النار؟
إن الطرح الذي قدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعكس منطقاً قديماً تحاول واشنطن فرضه دائماً؛ وهو منطق إدارة الصراع بأسلوب الإستسلام غير المشروط، وليس منطق حل الصراع بأسلوب العدل والتوازن ، فالحديث عن تجريد المقاومة الفلسطينية وكافة الفصائل من سلاحها في لحظة فارقة، دون تقديم ضمانات حقيقية بإنهاء الإحتلال أو التوقف عن تصفية القضية الفلسطينية، هو في جوهره إعادة صياغة لشروط الفرض لا السلام.
إن السلام الذي يُبنى على إملاءات القوة يظل سحابة صيف لا تمطر إلا مزيداً من الغضب، والتاريخ لم يعرف سلاماً يستقيم بينما يد تُطالب بالتسليم ويد أخرى تضغط على الزناد.
لقد كان إعلان واشنطن يحمل في طياته بذور بطلانه؛ إذ لا يمكن لأي مراقب سياسي يدرك توازنات المنطقة أن يصدق أن طرفاً يمارس الإبادة اليومية يمكن أن يتحول بين عشية وضحاها إلى راعٍ لسلام عادل.
لم تكد تمضي ساعات قليلة على الشاشات التي أذاعت نبأ الإتفاق المفترض، حتى كانت الطائرات الإسرائيلية تعيد ترسيخ الحقيقة الميدانية المؤلمة ، لم يكن القصف هذه المرة مجرد خرق عابر لهدنة شفهية، بل كان إستهدافاً مباشراً للمرافق الحيوية والإنسانية، وفي مقدمتها مستشفى شهداء الأقصى.
إن قصف المستشفيات والمراكز الطبية ليس مجرد حدث ميداني، بل هو رسالة سياسية وإستراتيجية بالغة القسوة ، هي رسالة مفادها أن الإحتلال لا يعترف بحدود للعمليات العسكرية، ولا يعبأ بأي تفاهمات تُعلن في واشنطن أو غيرها.
الإحتلال المجرم يريد تكريس حالة الضغط القصوى وجعل الحياة غيرقابلة للإستمرارداخل القطاع لفرض الشروط السياسية،
كما يريد إهانة الدبلوماسية الدولية، بإظهار أن القرار الميداني في تل أبيب منفصل تماماً عن الإستعراض الإعلامي في واشنطن.
الترويج لإتفاقات من هذا النوع دون وقف فوري وشامل للعدوان ورفع الحصار هو محاولة لتفصيل سلام على مقاس الإحتلال، وأن قصف مستشفى شهداء الأقصى يعكس الطبيعة الحقيقية لحكومة الإحتلال.
إلى أن الإندفاع نحو إعلان صفقات دراماتيكية يخدم الأجندات الإنتخابية والسياسية الشخصية، بينما الواقع على الأرض يثبت عدم وجود آليات تنفيذية أو نية حقيقية لردع الآلة العسكرية الإسرائيلية،
إن الإستراتيجية الأمريكية تعاني من خلل هيكلي؛ فهي تحاول الجمع بين دور الوسيط ودور الشريك المطلق للطرف المعتدي .
وغياب الضغط الفعلي على تل أبيب يجعل أي إعلان عن السلام مجرد تكتيك إعلامي لإمتصاص الغضب الدولي.
هنا نصل إلى جوهر القضية وحقيقتها الكبرى هل يمكن لشخصيتين مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو أن يكتسبا صلاحية صناعة السلام في الشرق الأوسط؟
بقراءة هادئة لمسار الرجلين:
بنيامين نتنياهو، رجل يعتاش سياسياً وشخصياً على إستمرار الحرب والتوتر، بالنسبة له، إنهاء الحرب دون تحقيق أهدافه الصفرية يعني بداية نهايته السياسية ومواجهة أزماته القضائية الداخليّة، إنه يمارس البلطجة السياسية كمنهج بقاء.
دونالد ترامب، ينظر إلى قضايا الشرق الأوسط المعقدة بنظرة صفقات تجارية سريعة، تبحث عن المشهد الأخير واللقطة الإعلامية دون الغوص في جذور التاريخ وحقوق الشعوب وتوازنات العدالة.
ترامب ،يريد إنجاز صفقات إستعراضية وسريعة لخدمة الصورة السياسية ، وتقديم غطاء للإنتهاكات ودعم غير مشروط لتل أبيب.
نتنياهو،يريد فرض واقع بالقوة ،قصف المستشفيات، تعميق المأساة، ورفض أي سلام عادل.
كيف يمكن لمعادلة تُدار بهذا الفكر أن تنتج سلاماً دائماً؟ إن السلام لا يصنعه من يعتقدون أن القوة المسلحة يمكنها محو تطلعات الشعوب وحقوقها المشروعة في أرضها وكرامتها.
إن العرض الهزلي الذي شهدناه بين إعلان واشنطن وقنابل غزة ليس سوى فصلٍ جديد من فصول الأوهام التي تُباع للمنطقة ،إن السلاح الذي يُطالب الشعب الفلسطيني بتسليمه ليس المشكلة في حد ذاته، بل هو نتيجة لوجود الإحتلال والعدوان،وحين يُقصف مستشفى شهداء الأقصى والأطفال في مضاجعهم، يُقطع الشك باليقين بأننا لسنا أمام شريك سلام، بل أمام سلطة إحتلال تمارس البلطجة وتستغل العجز الدولي.
سيبقى التاريخ يذكر أن السلام الحقيقي لا يُولد في الإستديوهات ولا في المؤتمرات الصحفية العابرة، بل يتأسس عندما تعود الحقوق إلى أصحابها، ويُرفع الظلم، ويدرك مجرمو الحرب أن قوة السلاح لا تستطيع فرض الواقع للأبد، وما لم تتغير هذه المعادلة، فإن مسرحيات السلام ستظل تسقط متهاوية أمام بارود الواقع وشهادة الدم.