صراع الوجود والسكان ... حين تتجاوز أرقام الخصوبة حدود السياسة والسلاح
في قراءة لمسارات الصراع العربي الإسرائيلي ، يتضح أن خريطة القوة والتأثير في الشرق الأوسط لم تكن يوماً مجرد محصلة للترسانات العسكرية والتفوق التكنولوجي وحدهما، إن النظر المتعمق في التحولات الديموغرافية والإجتماعية الجارية تحت السطح يكشف عن بعد إستراتيجي حيوي ومصيري، ألا وهو معركة الأرقام والسكان، والتي لطالماُ إعتبرت في أدبيات الإستراتيجية العليا الخزان الحقيقي للأمم والمخزون الحيوي للجيوستراتيجيا الإقليمية والجسر الأساسي الممتد نحو المستقبل.
ففي الوقت الذي تشهد فيه غالبية الدول العربية الكبرى - وعلى رأسها مصر - تراجعاً متسارعاً في معدلات الخصوبة والنمو السكاني، تسجل إسرائيل معدلات خصوبة مرتفعة ومستقرة، بل ومتصاعدة، تضعها في صدارة الدول المتقدمة في معدلات الإنجاب بمتوسط يتجاوز ثلاثة أطفال لكل امرأة، وهو أداء ديموغرافي فريد في بيئة الدول الصناعية والغربية المتقدمة.
إن المشهد السياسي الجاري يفصح عن معادلة معقدة؛ فبينما تحقق إسرائيل للأسف الشديد تفوقاً نوعياً وتكنولوجياً ملحوظاً في مجالات الذكاء الإصطناعي، والصناعات العسكرية الدقيقة، والأمن السيبراني، وتستثمر هذا التفوق في فرض واقع ميداني جديد وإقتطاع المساحات الجغرافية وإحكام النفوذ، فإنها بالتوازي مع ذلك تخوض معركة ديموغرافية حثيثة.
تشير البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية وتقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن معدل الخصوبة الكلي في المجتمع الإسرائيلي يستقر عند حدود 3.0 إلى 3.1 طفل لكل امرأة ، هذا الإرتفاع لا يعود حصراً إلى قطاعات اليهود الحريديم والأرثوذكس شديدي التدين كما كان شائعاً في أدبيات الماضي، بل إن البيانات الأخيرة تؤكد أن الأوساط العلمانيّة والحديثة داخل المجتمع الإسرائيلي تسجل معدلات خصوبة تتراوح بين 2.2 و 2.5 طفل لكل امرأة، وهو معدل يفوق بوضوح جميع دول منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية التى يبلغ متوسط الخصوبة فيها حوالي 1.5 طفل لكل أمرأة.
في المقابل، وعلى الجانب العربي الذي شكل العمق الديموغرافي القاهر للجانب الإسرائيلي، تعكس المؤشرات البيانية تحولاً متسارعاً نحو الإنخفاض.
جمهورية مصر العربية، الدولة الأكثر ثقلاً وتأثيراً ديموغرافياً وأمنياً في الشرق الأوسط، إنخفضت فيها معدلات الخصوبة الكلية من نحو 3.5 طفل لكل امرأة في عقود سابقة لتلامس حدود 2.1 إلى 2.2 طفل لكل امرأة، مع توجه حكومي وسياسات عامة حثيثة تسعى لخفض هذا المعدل أكثر للسيطرة على الأزمات الإقتصادية وتخفيف الضغط على الخدمات الأساسية.
دول المغرب العربي، سجلت تونس والمغرب والجزائر معدلات خصوبة هبطت لمستويات تقارب أو تقل عن معدل الإحلال الطبيعي (2.1 طفل لكل امرأة)، لتصل في بعض البلدان التونسية والمغربية إلى حدود 1.8 إلى 1.9 طفل.
دول المشرق والخليج ، تشهد مجتمعات الخليج العربي هبوطاً حاداً وسريعاً في معدلات خصوبة المواطنين المقيمين، فيما تنخفض معدلات الإنجاب في بلاد الشام بصورة ملحوظة نتيجة الأزمات الإقتصادية والتحولات الإجتماعية.
إن المعركة في الشرق الأوسط لم تعد محصورة في خنادق السلاح أو أروقة الدبلوماسية، بل تحولت إلى صراع صامت وعميق بين المعادلات الديموغرافية وقدرة المجتمعات على إستدامة عنصرها البشري والتكنولوجي في آن واحد.
ولتفكيك هذه الظاهرة وبحث جذورها وفق منهج التحليل التاريخي والإجتماعي الشامل، يتوجب الوقوف على المحركات والتوازنات الإجتماعية والإقتصادية لدى الكيانين الإسرائيلى والعربى :
تتعامل المؤسسات الإستراتيجية الحاكمة في إسرائيل مع البعد السكاني بإعتباره ركناً أسياسياً من أركان الأمن القومي والعقيدة الوجودية للدولة منذ تأسيسها عام 1948 ، ومن ثم، أمكن ترجمة هذا المفهوم الإستراتيجي إلى واقع عملي عبر أبعاد متعددة،
الأيديولوجيا والحافز الوجودي ، تسود داخل المجتمع الإسرائيلي بمختلف أطيافه ثقافة مجتمعية ترى في زيادة النسل واجباً وطنياً ووجودياً لضمان البقاء في محيط إقليمي واسع،
شبكات الدعم والرعاية الاجتماعية ، توفر الدولة سياسات وتشريعات تشجع على الإنجاب، تشمل إجازات وضع مدفوعة ومطولة، ودعماً مالياً مباشراً للأسر ذات الأطفال المتعددين، فضلاً عن تقديم خدمات طبية ورعاية صحية متقدمة ومجانية لمرحلتي الحمل والأمومة، وتخفيض تكاليف الحضانات والتعليم الأساسي،
الإندماج المؤسسي ، إستطاعت إسرائيل التوفيق بين مشاركة المرأة العالية في سوق العمل والتعليم العالي وبين الحفاظ على معدلات إنجاب مرتفعة، عبر دعم مرونة ساعات العمل وتهيئة البيئة الأسرية.
على الضفة الأخرى من المعادلة، تخضع التراجعات السكانية في العالم العربي لعوامل بنيوية ومعقدة يمكن إيجازها في النقاط التالية:
الضغوط الإقتصادية وإرتفاع المعيشة ، تواجه معظم مجتمعات الدول العربية الكبرى تحديات هيكلية تشمل إرتفاع معدلات التضخم، والبطالة، وكلفة المعيشة، وتكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية، هذه العوامل دفعت الشباب والجيل الجديد نحو تأخير سن الزواج والتخطيط لأسر أصغر حجماً لتفادي التدهور المعيشي.
التغيرات الثقافية ونمط الحياة ، أدّت عولمة أنماط الحياة وإنتشار التعليم وتغير دور المرأة في المجتمع العربي، مع تراجع نمط الأسرة الممتدة لصالح الأسرة النواة الصغيرة، إلى تقليص عدد الأطفال المرغوب فيهم داخل الأسرة الواحدة.
السياسات الحكومية المستهدفة ، إنتهجت حكومات دول عربية رئيسية كالمجلس القومي للسكان في مصر إستراتيجيات صارمة للحد من الزيادة السكانية بإعتبارها عائقاً أمام التنمية الإقتصادية، مما ساهم بشكل مستمر في تقليص الخصوبة.
فالتراجع السكاني العربي إذا لم يترافق مع زيادة نوعية إستثنائية في قدرات العنصر البشري التعليمية والتكنولوجية، فإنه سيفضي إلى تحول جوهري في كفتي الميزان الإستراتيجي لغير صالح المنطقة العربية.
إن مواجهة هذه الأوضاع لا تتطلب بالضرورة الدعوة إلى زيادة غير مدروسة في معدلات الإنجاب تؤدي إلى إضطرابات معيشية وضغوط للبنية التحتية، وإنما تتطلب صياغة رؤية إستراتيجية جديدة تقوم على المحاور التالية.
التحول من الكم إلى النوع: معالجة الإختلال لا تكون بزيادة أعداد أفراد بلا تأهيل، بل بتحويل الثقل البشري العربي إلى قدرة إنتاجية وعلمية عالية المستوى عبر إصلاح جذرى لشبكات التعليم، والبحث العلمي، والصناعات التكنولوجية الدقيقة.
بناء بيئة إقتصادية جاذبة ومستقرة: تشجيع الإستثمار وتوفير بيئة تمكن الشباب العربي من بناء أسرهم وتحقيق الإستقرار المعيشي والحد من ظاهرة نزيف العقول الهاربة نحو الخارج.
صياغة مفهوم شامل للأمن القومي العربي: تحفيز أطر التكامل الإقتصادي العربي، وتأسيس تكتلات تحمي المصادر الحيوية كالمياه والأغذية والطاقة، وتبني سياسات أسرية متوازنة تدعم الأسر الشابة وتضمن إستدامة العنصر البشري العربي دون إرهاق كاهل الدول.
إن التاريخ يعلمنا دائماً أن الأمم لا تحمي وجودها ومكانتها بالشعارات، وإنما بالقراءة الحاضرة للبيانات والإستعداد العلمي الإستراتيجي للتغيرات القادمة، لبناء مستقبل يصنعه القادرون على إدراك حركة التاريخ وموازين القوة الصامتة.