جنازة خارج حدود التحمل ... صرخة الحق الفلسطيني في وجه القتل والنسيان
من أرشيف التاريخ الحديث، ومن بين طيات الملفات المحفوظة في دوائر القرار المغلقة في واشنطن وعواصم الشرق الأوسط، يدرك المتابع لديناميكيات الصراع العربي-الإسرائيلي أن ثمة لحظات تتجاوز حدود الواقعة الميدانية المجردة لتبلغ مرتبة الرمز التاريخي الكاشف، وما جرى في قطاع غزة حين شُيّعت جثامين خمسين شهيداً جرى إنتشالهم بعد مرور ثلاثة أعوام كاملة على إندلاع حرب الإبادة والتدمير الشامل هو نموذج صارخ لهذه اللحظات الفاصلة.
لم تكن الجنازة مجرد موكب لتوديع الراحلين، بل كانت وثيقة إدانة تجول الشوارع المهدومة ، خمسون جثماناً خرجوا من تحت الركام الذي صمت عليه العالم طويلاً، من بينهم عشرون طفلاً صغيراً غُيبوا عن حقهم الطبيعي في الحياة واللعب، هؤلاء الأطفال لم يستشهدوا في معركة حربية بالمعنى العسكري ، بل سُحقت أجسادهم الغضة تحت وطأة آلة عسكرية إسرائيلية عمياء، لا تتورع عن تحويل البراءة إلى أرقام في قوائم الضحايا.
إن المشاهد التي نقلتها العدسات للجنازة لم تكن مما يحتمله قلب بشر؛ إذ كيف للإنسانية أن تتأمل مشهد جثامين تجردت من ملامحها بفعل تقادم الزمن تحت الأنقاض، لولا أقمشة الأكفان التي لملمت ما تبقى من ذكرياتهم؟ هنا ينبغي أن يرتفع السؤال السياسي والأخلاقي الكبير بوجه العالم بأكمله ، أي ضمير إنساني هذا الذي يرى هذه المشاهد ثم يستكين للصمت؟ أي شريعة سماوية، بل أي ميثاق دولي أو قانون أخلاقي، يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي المجرم بنيامين نتنياهو الحق في ممارسة هذا السحق المنظم لشعب أصيل يطالب بحقه التاريخي والمشروع في أرضه وسيادته؟.
إن التأثير الفعلي لعمليات الإنتشال والتشييع المأساوية هذه يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية للقطاع المحاصر، هذه المشاهد لا تُنتج حزناً مجرداً، بل تراكم غضباً إستراتيجياً يتجاوز القدرة على التنبؤ.
لقد أدت هذه الصور غير المسبوقة إلى إحداث زلزال نفسي لدى المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، ولدى المسلمين في مختلف أرجاء الأرض، إن إمتداد سنوات العدوان لثلاث أعوام دون رادع دولي، يرافقه خروج هذه الأجساد الصغيرة من تحت الركام، يُسقط في نظر الجماهير كل مقولات النظام الدولي والقانون الدولي الإنساني، ويولد قناعة راسخة بأن المنطقة تُدار بقانون الغاب، هذا التحول الإدراكي يُشكل، خطراً مستقبلياً كبيراً على حالة الإستقرار الإقليمي، حيث تتحول المشاعر المكتومة إلى عقيدة رفض صارمة لأي ترتيبات سياسية تتجاهل عدالة القضية الفلسطينية.
على الضفة الأخرى من المشهد، ولعل هذا هو الجانب الأكثر أهمية في قراءة أبعاد هذه المأساة، لم تعد وسائل الإعلام الغربية والأمريكية قادرة على تغطية أو ممارسة الرقابة الذاتية على ما يجري كما كانت تفعل في المحطات التاريخية السابقة، لقد أبرزت كبريات الصحف الأمريكية والأوروبية هذه المشاهد بجرأة غير مسبوقة، واصفة تأخر إنتشال الجثامين لمدة ثلاثة أعوام بأنه شواهد حيّة على كارثة إنسانية تتجاوز في تفاصيلها أي صراع شهدته المنطقة في العصر الحديث، وقد ركزت التقارير الإعلامية الغربية على البعد الأخلاقي للضحايا ، متسائلة عن الهدف العسكري الشامل الذي يمكن تحقيقه من وراء إبادة عائلات بأكملها وتركها تحت الركام لسنوات.
هذا التغير في النبرة الصحفية لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة ضغط القواعد الشعبية والشبابية في الغرب، والتي باتت تعتمد على وسائل التواصل والإعلام المباشر لمتابعة التفاصيل التي تُغيبها الشاشات التقليدية ، وقد تسبب ذلك في إحداث شرخ عميق في الرواية الرسمية الإسرائيلية التي سادت في الدوائر الغربية لعقود طويلة.
إن التكاليف الأخلاقية والسياسية لهذه الحرب أصبحت تتجاوز بكثير أي مكاسب تكتيكية قد تعلن عنها حكومة نتنياهو.
لقد أدى الإستمرار في دعم العدوان وعجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين أو إستعادة جثامينهم طوال هذه السنوات إلى ضربة قاضية لشرعية الغرب في ملفات حقوق الإنسان حول العالم.
إن مشاهد تشييع الأطفال والمدنيين بعد أعوام من إبادتهم لا تُضعف إرادة الشعب الفلسطيني، بل تغرس في الوجدان الجمعي للأجيال القادمة الدافع للإستمرار، مما يجعل القضاء على فكرة المقاومة أمراً يستحيل تحقيقه بالوسائل العسكرية.
إن ما شهدته غزة في جنازة الـ 50 شهيداً لم يكن مجرد فصل في كتاب المأساة الفلسطينية المفتوح، بل كان إختباراً حاسماً لما يُسمى بـ العالم الحر، حين يقف التاريخ مستقبلاً لتأمل هذه المأساة، لن يسأل فقط كيف أقدم رئيس وزراء إسرائيلي مجرم على سحق شعب بأكمله، بل سيسأل أيضاً ، كيف سمحت المنظومة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية بإبادة أطفال وتأخير دفنهم لثلاثة أعوام كاملة تحت سمع وبصر العالم؟.
إن صاحب الحق الفلسطيني في هذه المعركة لا يدافع عن أرضه وحسب، بل يدافع عن بقايا الضمير الإنساني العالمي، وتلك الجثامين المحمولة على الأكتاف، وتلك الأكفان الصغيرة التي تضم عشرين طفلاً حرموا من الحياة واللعب، هي البوصلة الحقيقية التي تكشف زيف الشعارات وسقوط القوى الإستعمارية في إختبار الأخلاق والعدالة.