ظل تل أبيب فوق النيل.. الدور الإسرائيلي وحسابات التوازن الإقليمي

ياسر بركات
ياسر بركات

ما شهدته الساعات الأخيرة على أرض إثيوبيا ليس مجرد أحداث جارية يُمكن اختزالها في شريط إخباري عابر، بل لحظة انفجار استراتيجي محتوم ، إنه الانهيار الكلي لمعادلة التوازن الضعيفة التي أرسيت في اتفاقية بريتوريا، ليدخل القرن الأفريقي مرحلة جديدة من الصراع المركب الذي يتجاوز حدوده الإقليمية إلى أروقة القوى الدولية والصراعات العابرة للبحار.
لقد اشتعلت الهضبة الإثيوبية على نحو غير مسبوق عبر فتح ثلاث جبهات عسكرية متزامنة،
جبهة إقليم عفر: حيث تسعى قوات جبهة تحرير شعب تيجراي للاندفاع شرقاً بهدف قطع الشريان الحيوي الممتد من ميناء جيبوتي إلى أديس أبابا  وهو خط الإمداد والاقتصاد الأساسي للبلاد.
جبهة أمهرة والتخوم الشمالية: حيث التقت مصالح الفصائل المسلحة مثل ميليشيات الفانو مع قوات التيجراي في تحالف ضرورة وتكتيك استراتيجي يستهدف خنق القوات الفيدرالية الإثيوبية.
جبهة الحدود الإريترية التيجراوية: التي شهدت ضربات بالطائرات المسيرة وسلاح الجو الفيدرالي لردع أي تحركات مشتركة أو خطوط إمداد عابرة للحدود.
هذا التصعيد الذي تزامن مع تعليق الرحلات الجوية وقطع شبكات الاتصالات في مناطق واسعة، يُعد إعلان وفاة رسمياً لاتفاق السلام. لقد تبدد الوهم بأن اتفاق بريتوريا صنع سلاماً؛ الحقيقة الاستراتيجية أنه أوقف القتال مؤقتاً ولكنه رحّل أسباب الحرب، وعندما تعجز السياسة عن معالجة جذور الخلاف، تستأنف المدافع الحوار بالنيابة عنها.
إن ما يجري في إثيوبيا ليس صراعاً محلياً معزولاً، بل هو نقطة الارتكاز في زلزال إقليمي يمتد من باب المندب إلى أعالي النيل.
إريتريا، التي كانت بالأمس القريب حليفاً وثيقاً لرئيس الوزراء أبي أحمد في حرب التيجراي الأولى، أضحت اليوم تتمركز على أطراف المعادلة بوصفها الخصم الأشد شراسة لأديس أبابا، مع تواتر التقارير عن دعمها للفصائل المسلحة لإضعاف الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومنعها من تحقيق فرضيتها حول الوصول المباشر إلى البحر الأحمر.
وفي المقابل، تجد أديس أبابا نفسها محاصرة بأزمات داخلية وتوترات على أطرافها الحدودية مع السودان والصومال، لا سيما بعد مذكرة التفاهم المثيرة للجدل مع إقليم أرض الصومال ، إنها حالة من التفكك الإقليمي جعلت القرن الأفريقي مسرحاً مفتوحاً لسباق النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية.
هنا نصل إلى الشق الأشد خطورة في هذا المشهد، 
فالعقل الاستراتيجي الإسرائيلي لم يتخلَّ يوماً عن وثيقته التاريخية المتمثلة في استراتيجية شد أطراف العالم العربي في هذه الرؤية، وتمثل إثيوبيا حجر الزاوية الجيوسياسي جنوب العالم العربي.
تنظر تل أبيب إلى إثيوبيا كحليف أمني وتكنولوجي يستطيع أن يشكل ضغطاً متوازناً على الأمن القومي العربي، وخاصة المصري، في منطقة حوض النيل والباب الجنوبي للبحر الأحمر.
إسرائيل توفر لأديس أبابا أنظمة تقنية واستخباراتية ومساعدات في مجال الطائرات المسيرة حمايةً للمنشآت الحيوية ولتعزيز القدرات الميدانية للإدارة الإثيوبية.
وتسعى إسرائيل للحفاظ على موطئ قدم راسخ عند منابع النيل لضمان وجود أوراق مناورة استراتيجية تخدم التوازنات الشرق أوسطية، حتى وإن أدّى ذلك إلى زيادة التوتر في منطقة لا تحتمل المزيد من الشرر.

 

القاهرة تتابع ما يجري بوعي هادئ وشديد الحذر، ينطلق من ثوابت لا تقبل التهاون،
فالأمن المائي خط أحمر لا يخضع للمناورة ، وترى مصر أن الاضطراب السياسي والأمني داخل إثيوبيا يعكس هشاشة البنية السياسية التي حاولت قيادة أديس أبابا التغطية عليها عبر مشاريع أحادية في ملف سد النهضة ، إن غياب الاستقرار السياسي في دولة المجرى يضاعف من مخاطر سوء إدارة الملفات المائية الحيوية.
إن الرؤية المصرية لا تفرح بانهيار الدولة الإثيوبية أو تفككها؛ لأن الفوضى الشاملة في إثيوبيا ستعني تدفق الملايين من اللاجئين، وانتشار السلاح، وتمدد الجماعات الإرهابية نحو البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما يضر بالأمن القومي المصري .
وتنظر مصر ببالغ الانتباه إلى أي محاولات إسرائيلية أو إقليمية لبناء موازين قوى جديدة تمس عمقها الحيوي في أفريقيا ، ومن هنا جاء تحرك مصر الدبلوماسي والعسكري المتزن لتعزيز علاقاتها مع دول الحوض والدول المحيطة بباب المندب مثل الصومال وأريتريا وجيبوتي ، لترسيخ طوق حماية يمنع فرض سياسة الأمر الواقع.
إن ما جرى ويجري في الساعات الأخيرة على أرض إثيوبيا ليس حدثاً طارئاً في قارة بعيدة، بل هو فصل جديد من صراع الإرادات على منابع النيل وممرات التجارة العالمية ، وكما علمنا التاريخ دائماً ،حين تشتعل النار في أعالي الجبل، فإن على من يعيشون في الوادي أن يبقوا أيديهم على الزناد وعيونهم على الخريطة.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

ظل تل أبيب فوق النيل.. الدور الإسرائيلي وحسابات التوازن الإقليمي

بقلم ياسر بركات