شبح النووي وفزاعة هرمز... إستراتيجية الإبتزاز الأمريكي في مواجهة حائط الواقع

ياسر بركات
ياسر بركات

إن ما يمارسه البيت الأبيض بقيادة دونالد ترامب ليس مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل هو أسلوب مغامرة الردع على الأطراف، نحن أمام حالة فريدة في التاريخ السياسي المعاصر؛ حيث تتداخل حسابات القوة العظمى مع العصبية المفرطة في إدارة الأزمات المفتوحة، لتعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط بين التهويل السياسي والمواجهة الإستراتيجية الشاملة.
ترددت تسريبات وشائعات حول إمكانية لجوء الإدارة الأمريكية لضربات نووية تكتيكية لإنهاء الملف النووي الإيراني نهائياً، غير أن القراءة الدقيقة تكشف عن تعقيدات عميقة تمنع تحويل هذا التهويل إلى واقع ميداني.


إستخدام السلاح النووي التكتيكي لضرب المفاعلات الإيرانية المخفية عميقاً تحت الجبال لن يحقق الحسم المطلوب دون تداعيات إشعاعية كارثية ، الغبار الإشعاعي الناجم عن مثل هذه الضربات لن يتوقف عند الحدود الإيرانية، بل سيمتد ليغطي دول الخليج العربية المجاورة والعراق وآسيا الوسطى، مما يجعل الكلفة البيئية والبشرية غير قابلة للإحتواء.


ترامب يستخدم الخيار النووي كأداة ردع نفسي وتهديد أقصى لإرغام طهران على القبول بشروط التفاوض، وليس كخيار عسكري قابل للتنفيذ المباشر دون تدمير منظومة الأمن القومي الأمريكي والتوازنات الدولية بأكملها.


كما أن قصف منشآت تحتوي على كميات ضخمة من اليورانيوم المخصب سيعني إنبعاث غبار إشعاعي كفيل بتعطيل الحياة الإقتصادية وحركة الملاحة البحرية وإمدادات المياه في منطقة الخليج لعدة عقود، وهو ما ترفضه كافة القوى الإقليمية والدولية.


لقد شهد الموقف الأمني في المنطقة تصعيداً غير مسبوق، تمثل في التصريحات المثيرة للجدل الصادرة عن البيت الأبيض حول إعتبار مضيق هرمز أرضاً أمريكية، إضافة إلى التحذيرات الحادة الموجهة لسلطنة عمان كحليف إقليمي ووسيط تاريخي.


يمنح القانون الدولي للبحار والمضائق الدولية أحكاماً خاصة تضمن حرية الملاحة لجميع الدول، وبالتالي، فإن وصف المضيق بأنه أرض أمريكية يعبر عن رغبة في فرض سيطرة مطلقة على شريان يمر عبره نحو 20% من نفط العالم، وهو خطاب موجه للإستهلاك الداخلي وتخويف الخصوم الإقليميين.


كما أن الضغط على الحليف العُماني الذى  ظل لعقود طويلة يلعب دور سويسرا الشرق الأوسط والقناة السرية للوساطات المعقدة، وممارسة الضغوط والتهديدات المباشرة تعكس حالة من الغضب والإندفاع وإفتقار الإدارة الأمريكية للصبر الدبلوماسي تجاه وسيط إقليمي يسعى لتحقيق التوازن بين علاقاته الإقليمية وإلتزاماته الدولية.


لا يمكن فهم هذه المناورات السياسية والعسكرية دون ربطها المباشر بما يجري داخل المشهد الأمريكي الداخلي.
أدت التوترات والمواجهات المباشرة في الخليج العربي إلى تعطيل سلاسل الإمداد وإرتفاع صاروخي في أسعار الوقود والطاقة داخل السوق الأمريكية، مما إنعكس مباشرة على كلفة المعيشة اليومية للمواطن الأمريكي.


ويواجه البيت الأبيض ضغوطاً شعبية وسياسية متزايدة داخل أروقة الكونجرس، حيث يطالب الناخبون والسياسيون بالتركيز على معالجة التضخم والأوضاع الإقتصادية الداخلية بدلاً من الإنخراط في مغامرات عسكرية مفتوحة وغير مضمونة النتائج في الشرق الأوسط.


تسعى الإدارة الأمريكية لإقناع الرأي العام الداخلي بأن الإرتفاع المؤقت في أسعار الطاقة هو ثمن ضروري لمنع إيران من التوسع أو إمتلاك أسلحة إستراتيجية، غير أن هذه الرهانات تحمل مخاطر سياسية وإقتصادية ضخمة قد تؤثر على الإستقرار السياسي الداخلي ومستقبل الإدارة الحالية.


تعتمد إستراتيجية حافة الهاوية على دفع الأزمات إلى أقصى درجات التوتر لإرغام الطرف الآخر على التراجع في اللحظات الأخيرة. ولكن هذه الإستراتيجية تنطوي على مخاطر جمة حين تتعلق بمنطقة ملتهبة كالشرق الأوسط.


الرهان على تراجع الخصم تحت وطأة التهديدات العسكرية الشديدة قد يؤدي إلى سوء تقدير ميداني، حيث يمكن لخطأ غير مقصود أو تصرف فردي في خطوط المواجهة الأمامية أن يشعل مواجهة عسكرية واسعة النطاق لا يرغب فيها أي من الأطراف.


وتؤدي التهديدات الموجهة للحلفاء والوسطاء التقليديين إلى إعادة نظر شاملة لدى دول المنطقة في مدى أو موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، مما يدفع بعضها للبحث عن توازنات جديدة مع قوى دولية أخرى كالصين وروسيا.
إن أي تصعيد عسكري يؤدي إلى إغلاق جزئي أو كلي لمضيق هرمز لن يتوقف أثره عند الولايات المتحدة أو إيران فحسب، بل سيؤدي إلى صدمة إقتصادية عالمية تتأثر بها الإقتصاديات الناشئة والدول المستوردة للطاقة على حد سواء.


أننا لسنا أمام قرار وشيك بإطلاق شرارة مواجهة نووية تفجر المنطقة، بل أمام عملية إبتزاز إستراتيجي عالية المخاطر، تحاول واشنطن من خلالها إستخدام الثقل العسكري والهيبة الإمبراطورية لفرض واقع تفاوضي جديد، غير أن إستمرار التوتر وإرتفاع أسعار الطاقة وغليان الداخل الأمريكي قد يحول هذه الرهانات السياسية إلى أزمة إقتصادية وجيوسياسية شاملة تعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط والعالم.
 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

شبح النووي وفزاعة هرمز... إستراتيجية الإبتزاز الأمريكي في مواجهة حائط الواقع

بقلم ياسر بركات