مخطط بلير والإبتزاز الدولي... محو فلسطين من الكراس والتضاريس والضمير الإنساني

ياسر بركات
ياسر بركات

المبعوث البريطاني الأسبق والفاعل السياسي المخضرم في الشرق الأوسط ، توني بلير، يتحرك ضمن خطة جادة لتفكيك بنية الوعي العربي والفلسطيني ، هذه الخطة تستهدف المناهج المدرسية الفلسطينية، حيث يُطالب السلطة الفلسطينية بشكل صريح بحذف أسم فلسطين من مقرراتها التعليمية وكتبها الدراسية والخرائط الملحقة بها، وإستبدالها بالمصطلح التوراتي والإسرائيلي يهودا والسامرة.


ولعل الخطيئة الأكبر في هذا الطرح التدميري لا تتوقف عند حدود التسمية الجغرافية أو المصطلحات اللغوية، بل تكمن في صيغة التهديد وشرط المقايضة؛ إذ يُطرح هذا التعديل التعليمي كشرط حاسم كي يُتاح للسلطة الفلسطينية التواجد كطرف مؤهل ومقبول داخل ما يُسمى بـ مجلس السلام ، وكي يُعترف بدورها السياسي والإداري في المرحلة الإقليمية المقبلة ، إنها عملية إبتزاز سياسي مكتملة الأركان: الشرعية والدور السياسي الإقليمي مقابل شطب الأسم وتزييف التاريخ وإقتلاع الذاكرة الوطنية من عقول الأطفال.


هذه الخطوة من جانب توني بلير ليست مبادرة فردية أو مجرد إجتهاد شخصي، بل هي جزء لا يتجزأ من حملة إسرائيلية ممتدة وواسعة النطاق ،
هذه الحملة لا تكتفي بإستهداف الجغرافيا الفعلية عبر بناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتثبيت الواقع على الأرض بالقوة العسكرية المسلحة، بل تمتد لتجريف الجغرافيا الثقافية والرمزية ، إن محو كلمة فلسطين من الكتب الدراسية والخرائط المعتمدة والمعارض والمتاحف الدولية يستهدف تفكيك مفهوم الهوية  للجيل الفلسطيني الجديد، ونزع الصفة الوطنية عن المكان قبل نزعها عن السكان.


إن إستبدال أسم فلسطين بـ يهودا والسامرة  يمنح الرواية الإسرائيلية شرعية تاريخية وقانونية كاملة في الكتب المدرسية الفلسطينية نفسها. وهذا يعني في أبسط صوره جعل الضحية تُدرس لرعاياها وأطفالها مشروعية سلب أرضها، وتحويل الإحتلال العسكري الإستيطاني إلى حق تاريخي طبيعي يُقر به المظلوم في كراسته.


وربط الإعتراف الإقليمي والدولي بأي كيان سياسي فلسطيني بمدى جاهزيته للتخلي عن الرموز الوطنية ، وتحويل الدور السلطوي إلى وظيفة أمنية وإدارية مجردة من أي بعد وطني أو نضالي.
وسوف يتم تحويل الصراع العربي - الإسرائيلي من قضية تحرر وطني لتقرير المصير والشعب الخاضع للإحتلال إلى مجرد نزاع إداري وأمني .


وتأتي هذه التحركات والضغوط الدبلوماسية الدولية في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بملامح مرحلة هي الأكثر حرجاً وخطورة في تاريخها الحديث والمعاصر، فبينما يستمر نزيف الدم اليومي، وتتزايد خطط ومحاولات التهجير القسري والنزوح الجماعي في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، تُفتح الجبهة الناعمة للتصفية المعنوية الشاملة.


إذا كان السلاح العسكري يُستخدم اليوم في الميدان لإزاحة الجسد الفلسطيني عن أرضه وإقتلاعه من مدنه وقراه، فإن قلم التعديل الدبلوماسي والمطابع التعليمية يُستخدمان لإزاحة الفكرة الفلسطينية نفسها من الوعي الإنساني والذاكرة الوطنية والإقليمية.


إن هذا المخطط الخطير يجري اليوم على مرأى ومسمع من العالم الحر، هذا العالم الذي يتغنى بمبادئ حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحماية موروثها الثقافي والتاريخي ، وفي الوقت نفسه، يجري ذلك في ظل حالة من الصمت والتراجع غير المسبوق في الموقفين العربي والإسلامي ، وبذلك تجد القضية الفلسطينية نفسها محاصرة ،حيث ضغط دولي غربي متواطئ ومشارك، وعدوان ميداني إسرائيلي مباشر ومستمر، وغياب لحائط الصد الإقليمي الفاعل والقادر على المواجهة.
المؤسسة الأمنية المجرمة في تل أبيب ترى أن بقاء كلمة فلسطين في الخريطة التي يراها الطفل في الفصل الدراسي يُبقي على جمرة المقاومة والإستماتة في طلب الحق التاريخي. 

ومن هنا، تم إقناع الدوائر الغربية، وعلى رأسها أطراف إنجليزية وأمريكية كـ توني بلير، بأن السلام الإبراهيمي أو التفاهمات الإقليمية القادمة لا يمكن أن يتبلورا دون جراحة عميقة في عقيدة التعليم الفلسطيني.


فالهدف تحويل المؤسسة التعليمية الفلسطينية إلى أداة لترويج القبول بالواقع الإستيطاني، حيث تُحذف أي إشارة للبلدات والقرى المهجرة عام 1948، وتُلغى المصطلحات الوطنية مثل اللاجئين، العودة، الإحتلال، وفلسطين التاريخية.


ويجرى إستغلال الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها السلطة الفلسطينية، والحاجة الماسة للإعتراف السياسي بشرعيتها في إدارة المرحلة المقبلة لا سيما في ترتيبات ما بعد الحرب، وجعل المساعدات المالية والشرعية السياسية معلقتين بشرط التعديل التعليمي.
وتحويل السلطة الفلسطينية من كيان يمهد لمشروع الدولة والإستقلال إلى سلطة إدارية محلية تدير شؤون السكان دون أن تملك الحق في تسمية الأرض التي يعيش عليها هؤلاء السكان.


أمام هذه المخططات التي تحاك بليل في أروقة الدبلوماسية الدولية، يقف المجتمع الفلسطيني ومؤسساته الأهلية والثقافية أمام إختبار تاريخي وغير مسبوق، إن الرواية الشفهية والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني كانت دائماً هي الحصن الأخير الذي تكسرت عليه كل محاولات المحو والتذويب منذ عام 1948
إن خطورة شطب أسم فلسطين وإحلال يهودا والسامرة مكانها لا تتوقف عند حدود السلطة الفلسطينية أو المدارس الرسمية، بل هي معركة تخوضها كل أسرة فلسطينية وعربية ، فإذا تمكن الإحتلال وحلفاؤه من شطب الأسم من المقررات المدرسية الرسمية الممولة دولياً، فإن الرهان يظل قائماً على التعليم الأهلي والتربية المنزلية التي تحفظ للأجيال هويتها وتاريخها الممتد لآلاف السنين.


لكن الموقف يتطلب أكثر من الرهان العاطفي؛ إنه يستدعي
موقفاً سياسياً صلباً، يرفض الإبتزاز والمقايضة بالثوابت الوطنية، ويعلن أن الشرعية والإعتراف لا قيمة لهما إذا كان ثمنهما شطب أسم الوطن.
وعلى العالم العربى والإسلامى أن يستشعر خطورة المرحلة ويقدم الدعم السياسي والمالي للسلطة والشعب الفلسطيني، لكسر حالة الإرتهان للإملاءات الغربية.


وأن تكشف هذه المحاولات أمام الرأي العام العالمي بإعتبارها محاولة لمنهجة التدمير الثقافي والتاريخي لجامعات ومدارس شعب خاضع للإحتلال.

 

إن الهوية الوطنية للشعوب الحية لا تُحذَف بقرار إداري، والتاريخ الحقيقي المكتوب بدماء وقربان أبنائه لا يُلغى بشطبة قلم في كتاب مدرسي أو بضغط سري أو علني من مبعوث دولي كـ توني بلير أو غيره.


إن القضية الفلسطينية اليوم تقف بوضوح عند مفترق طرق حاسم في تاريخها: إما أن يصمد الجدار الوطني الفلسطيني أمام هذه الإشتراطات الظالمة، ويسانده في ذلك موقف عربي وإسلامي وأخلاقي حاسم يعيد التوازن والإعتبار للمشهد، وإما أن يُسمح بمرور إحدى أكبر وأبشع عمليات التزييف التاريخي والمحو الهوياتي في العصر الحديث، ليصبح الوجود الفلسطيني ذاته لا قدر الله مجرد خاطرة مطوية في كتب التاريخ القديم ، لكن التاريخ علمنا دائماً أن الشعوب الحية لا تموت، وأن الجغرافيا قد تُقهر زَمَناً، لكن الذاكرة الوطنية تظل عصية على الإقتلاع والتزوير.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

مخطط بلير والإبتزاز الدولي... محو فلسطين من الكراس والتضاريس والضمير الإنساني

بقلم ياسر بركات