رغم الركام ورماد الحرب... غزة تبحث عن الفجر وتحلم بالحياة

ياسر بركات
ياسر بركات

لا يحتاج المرء إلى كثير من الغوص في تفاصيل الخرائط العسكرية، ولا إلى الإغراق في تفكيك طلاسم الإستراتيجيات الدولية المعقدة، لكي يدرك بحس التاريخ وعمق الرؤية السياسية أن ما يجري اليوم في أرض فلسطين المحتلة  وعلى إمتداد رقعة الشريان العربي من الضفة الغربية والجنوب اللبناني وصولاً إلى العمق السوري ليس مجرد إنحراف عسكري عابر، ولا هو مجرد ردود أفعال لحظية تمليها ظروف الميدان ، إننا أمام عملية تفكيك ممنهجة ومكتوبة بخطوط عريضة لما يُسمى في الأدبيات السياسية بـ إمكانية السلام، ودليل دامغ على أن العقيدة العسكرية والإستعمارية لهذا الكيان لا ترى في التفاوض إلا غطاءً تكتيكياً لفرض الواقع بالقوة الغاشمة.


تأتي الأخبار والأنباء الميدانية من غزة الرمز والنزيف لتنقل صورة تجمع بين السخرية المرة والتردي السياسي المقيت ، ما إن تُغلق أبواب الصالونات المغلقة، وتفض الإجتماعات المكثفة بعد ساعات قليلة من المحادثات واللقاءات التي يسوقها المبعوثون الأمريكيون  وفي مقدمتهم جاريد كوشنر وأمثاله ممن يحملون صفقات تُغلف بالهدايا الدبلوماسية البرّاقة وتُبطن ببارود التنازلات حتى تنطلق الآلة العسكرية الإسرائيلية في دورتها الدموية المعتادة، ولكن هذه المرة، وبشكل يكشف عن تحول خطير في الأهداف، لم تعد المستهدفات تقتصر على الفصائل المسلحة أو البنى التحتية العسكرية، بل إتسعت دائرة القتل المباشر والمركز لتطال عناصر الشرطة المدنية والأجهزة الخدمية المحلية؛ تلك العناصر التي تحاول وسط الركام الحفاظ على بقايا رمق الحياة اليومية، وتأمين توزيع المساعدات الشحيحة، وضبط مقومات النظام العام لمواطن فلسطيني محاصر بالموت والجوع من كل جانب.


إن القراءة الفاحصة لعملية إستهداف كوادر الشرطة المدنية في قطاع غزة تتجاوز الفهم التقليدي للعمليات العسكرية، لتكشف عن إستراتيجية إسرائيلية أعمق وأشد خطورة؛ إنها إستراتيجية إحداث الفراغ وألم الفوضى ، فالشرطة المدنية في أي مجتمع تحت المحنة ليست سلطة سياسية بقدر ما هي الهيكل العظمي الذي يمنع إنهيار المجتمع ووصوله إلى حالة الفوضى العارمة.


عندما تُصوب المسيرات الإسرائيلية صواريخها نحو سيارات الدورية المدنية، أو تلاحق الأفراد المسؤولين عن تأمين القوافل الإغاثية ومراكز التوزيع، فإن الهدف المباشر ليس حماية أمن إسرائيل كما يُروج في الإعلام الغربي، بل هو ضرب أي محاولة لبناء سياق تنظيمي مدني داخل غزة ، إن الإحتلال يريد تحويل القطاع إلى بيئة غير قابلة للحياة، ليس فقط عبر قصف المباني، بل عبر تجريد المجتمع الفلسطيني من أدوات حماية نفسه تنظيمياً وأخلاقياً.


هذا التكتيك ليس جديداً على المدرسة العسكرية الإسرائيلية المجرمة ، ولكنه يصل اليوم إلى ذروته في ظل غطاء دولي يتظاهر بعدم الفهم، أو يتعامى عمداً عن التمييز الواضح في القانون الدولي الإنساني بين المقاتل والموظف المدني المكلف بإنفاذ القانون ، إن قصف الشرطة المدنية هو بمثابة إعلان رسمي بأن القرار السياسي في تل أبيب قد إتُخذ بنسف كل مظاهر الحياة والإستقرار، وتحويل غزة إلى ساحة مفتوحة للإنفلات والأزمات الإنسانية المركبة.


العالم اليوم وفي مقدمته أكثر من مليار مسلم يتابعون الشاشات بقلوب يعصرها الألم والعجز يقف شاهد عيان على بث حي ومباشر للمجازر، ونقل موثق بالصوت والصورة لعمليات تقطيع الأجساد ومحي الأسر من السجلات المدنية، وما يثير الحزن والدهشة في آن واحد ليس فقط بشاعة الجريمة، بل هذا الصمت الدولي المريب والتواطؤ الناعم الذي تحوّل فيه النظام الدولي بمؤسساته ومنظماته إلى مجرد متفرج في مسرح الرعب، بينما تستمر قوة الإحتلال في ممارسة العربدة العسكرية بلا رادع أخلاقي ولا حساب قانوني.


وليس هذا السلوك الإجرامي حصراً على قطاع غزة المحاصر؛ فالصورة الإستراتيجية تكتمل مشاهدها في الضفة الغربية عبر حملات الإقتحامات اليومية، والتصفيات الميدانية، والتهجير القسري الناعم، وإعتداءات المستوطنين المسلحين تحت رعاية الجيش. وتتسع هذه الدائرة لتشمل الجنوب اللبناني ، والذي يتعرض لقصف يومي وتدمير ممنهج للقرى والبلدات .


هذا الصلف العسكري تجاوَز الحدود التقليدية ليصل إلى الوقاحة المباشرة التي تجسدت في الزيارة الميدانية التي قام بها رئيس الأركان الإسرائيلي للجنوب السوري، في رسالة جغرافية وسياسية واضحة مفادها ، أن الحدود وسيادة الدول بالنسبة للكيان الصهيوني ليست سوى خطوط وهمية يُعاد رسمها وتجاوزها وفقاً لمنطق القوة ونفوذ السلاح ،هذه التحركات تحاول ترسيخ واقع جيوسياسي جديد يُفرض بالقوة المباشرة في ظل إنشغال العالم وتراجع التوازن الإقليمي.


إسرائيل لا تملك رؤية لليوم التالي للحرب، لأن الحرب بالنسبة لها هي اليوم الحالي واليوم التالي معاً،
القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب أصبحت أسيرة للرغبة في البقاء السياسي، وأن السلام بمعناه الحقيقي الذي يتطلب الإعتراف بالحقوق التاريخية وبناء دولة فلسطينية مستقلة يتناقض تماماً مع البنية الفكرية والأيديولوجية للحكومة الحالية ، إن عقيدة إدارة الصراع القديمة قد إنهارت وحلت محلها عقيدة حسم الصراع بالقوة المطلقة.


فكيف يمكن لأي عاقل أو محلل سياسي أن يصدق أن هناك سلاماً يُبنى على تجويع شعب بأكمله حتى الموت؟ كيف يُطلب من المواطن الفلسطيني الأعزل أن يصدق أوهام المفاوضات والوعود الدبلوماسية بينما يُحرم أبناؤه من قطرة الماء النظيف، ورغيف الخبز، وحبة الدواء؟ إن إستخدام سلاح التجويع والحصار الخانق ليس مجرد أداة ضغط تكتيكية لإنتزاع مكاسب في المفاوضات، بل هو جريمة إبادة جماعية وإستراتيجية إخضاع هندسية تستهدف كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية وجعل خيار البقاء حياً ثمنه التنازل عن الأرض والعرض والكرامة ، إن السلام الذي يُساق تحت سياط الجوع والحرمان ليس سلاماً بالمرة، بل هو مشروع إستسلام إجباري مكتمل الأركان.


من هنا، ومن واقع القراءة الشاملة لمعطيات التاريخ والجغرافيا، فإن الواجب القومي والمصيري يدعوان القوى المقاومة والشعب الفلسطيني الصامد في كافة أماكن تواجده إلى عدم الوقوع في فخ الإستسلام، وتسليم السلاح أو الإنخداع بالجولات الدبلوماسية الإستعراضية التي تُدار في العواصم الغربية وتُصاغ مصطلحاتها البراقة لتمرير الوقت وإعادة ترتيب الميدان لصالح المحتل.


إن التاريخ يتواتر بدرس قاطع ومكرر، الضعفاء لا يصنعون سلاماً، والكرامة لا تُستجدى على موائد التفاوض المقيدة بشروط القوة القائمة بالإحتلال ، إن المبعوثين الدوليين، مهما إختلفت أسماؤهم وتعددت جولاتهم من كوشنر إلى غيره، يحملون دائماً أوراقاً كُتبت في الأساس بالتنسيق الكامل مع أجهزة الأمن الإسرائيلية ، أوراق تضمن للغاصب أمنه وسيطرته، وتمنح الضحية ترتيبات إنسانية مؤقتة قابلة للإنفجار عند أول إختبار.


إن حماية دماء الشهداء وحفظ الحقوق التاريخية لا يكونان بالإرتهان إلى سراب السلام الأمريكي، بل بالتمسك بالثبات الميداني، والتلاحم الشعبي، ورفض مقايضة الثوابت الوطنية بحفنة من المساعدات الإغاثية التي يُسمح بدخولها تحت التقطير كأداة للإبتزاز السياسي الأخلاقي.


إن الصراع الراهن في أرض فلسطين وعلى حواف الوطن العربي ليس مجرد جولة عسكرية طارئة، بل هو فصل جديد من فصول الصراع على هوية المنطقة ومستقبلها، ومهما بلغ حجم الدمار، ومهما تزايدت أعداد الضحايا من مدنيين ورجال شرطة وأطفال ونساء، ومهما بلغ التواطؤ الدولي مرحلة الوقاحة؛ فإن الحقيقة الناصعة التي لا تقبل التغيير هي أن الحق الفلسطيني لا يموت بالتقادم، والأرض لا تمنح مشروعيتها للغاصب مهما أمتلك من أسباب القوة العسكرية.


سيظل الرهان الحقيقي والدائم قائماً على إرادة الشعب الفلسطيني الصلبة، وعلى وعي الشعوب العربية والإسلامية الحية التي لا تموت ولا تستسلم، مهما تطاول ليل الظلم والعدوان، ومهما بلغت درجة التواطؤ العسكري أو الصمت العالمي المريب، إن الحرب قد تمتد وتشتد ضراوتها، وتضحيات الشعوب قد تكون باهظة ومؤلمة، ولكن صاحب الحق والأرض هو من يملك الكلمة الأخيرة في نهاية المطاف ، إن إسرائيل قد تملك القدرة على القتل والتدمير وتجويع الأطفال، لكنها أبداً لن تملك القدرة على إرغام شعب متمسك بأرضه على التوقيع على وثيقة إعدامه الذاتي.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

رغم الركام ورماد الحرب... غزة تبحث عن الفجر وتحلم بالحياة

بقلم ياسر بركات