ليلة الصواريخ الكبرى تحطم الكيان
حتى الساعات الأولى من فجر اليوم كانت صرخات العدو الصهيونى تلف العالم بعد أن طالت صواريخ إيران قلب تل أبيب فقد دخلت المواجهة الأمريكية-الإيرانية منعطفاً هو الأخطر منذ عقود، حيث تحول الصراع من استهداف القواعد العسكرية التقليدية إلى "حرب كسر العظام" الاستراتيجية التي طالت مفاصل الطاقة في مشهد دراماتيكي.
أعلن الرئيس دونالد ترامب عن تأجيل ضرباته المخطط لها ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، مدعياً وجود مفاوضات "جيدة ومثمرة"، إلا أن الرد الإيراني جاء صاعقاً وميدانياً، حيث نفت إيران وجود أي مفاوضات، كما لم تتوقف صفارات الإنذار في تل أبيب طوال الليل، في رسالة واضحة بأن طهران لا تقبل التفاوض تحت مقصلة التهديد.
لقد كانت تصريحات ترامب حول استهداف محطات الكهرباء الإيرانية تعكس رغبة في شل "الأعصاب التقنية" لإيران، محاولاً استنساخ سيناريوهات الضغط القصوى، لكن الواقع الجغرافي والتقني كشف عن فجوة كبيرة في التقديرات الأمريكية؛ فإيران ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي "عملاق طاقة" تنتشر محطات الكهرباء به في جميع ربوع إيران الشاسعة، ومنها ما هو محصن تحت الأرض مثل شركة "مابنا" العملاقة التي تمنحها قدرة ذاتية على الإصلاح والترميم، إن استهداف شبكة الكهرباء والبنية التحتية المدنية لا يخترق فقط السيادة الوطنية، بل يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي ومواثيق جنيف التي تحظر استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية.
وعلى ضفة أخرى من التحليل، يبرز تساؤل جوهري حول المستفيد الحقيقي من إطالة أمد هذا الصراع؛ إذ تشير القراءات الجيوسياسية المعمقة إلى أن المستهدف النهائي من هذه الحرب ليس إسقاط النظام الإيراني وحده، بل هو إضعاف دول الخليج العربي مجتمعة وتقويض ركائز استقرارها الاقتصادي. إن الخسائر التي تكبدتها البنية التحتية والمنشآت الحيوية في دول الخليج نتيجة الشظايا المتطايرة أو الردود المتبادلة هي خسائر "لا تعوض" بالمعنى الاستراتيجي، إذ تدفع هذه الدول ضريبة باهظة من أمنها القومي واستقرارها المعيشي علاوة على ذلك، تعيش المنطقة حالة من "الاستنزاف المالي" غير المسبوق؛ حيث تتبخر المليارات في صفقات تسلح اضطرارية وتمويل لمنظومات دفاعية باهظة التكلفة لمواجهة خطر متصاعد، مما عطل مشاريع التنمية الكبرى وجعل الثروات الخليجية رهينة لآلة الحرب الأمريكية وصراعات النفوذ.
إن تحويل الخليج إلى ساحة خلفية لتصفيات الحسابات يعني بالضرورة إفراغ هذه الدول من قدرتها على المناورة السياسية مستقبلاً، ووضعها في حالة احتياج دائم للحماية الخارجية، وهو ما يخدم أجندة القوى الكبرى التي ترى في ضعف المنطقة وقوة جيوبها المالية فرصة لتعزيز هيمنتها وإعادة رسم الخرائط وفق مصالحها الخاصة، بعيداً عن شعارات "الديمقراطية" أو "تغيير الأنظمة" الزائفة.
وفي تطور لافت كشف عن حجم المأزق العسكري الإسرائيلي، أشار أحد المحللين العسكريين في هيئة البث الإسرائيلية إلى أن الجيش بدأ فعلياً في استخدام "ذخيرة غير دقيقة" مخزنة منذ ما يقرب من نصف قرن لضرب أهداف في العمق الإيراني، هذا التصريح يحمل دلالات استراتيجية خطيرة؛ فهو من ناحية يعكس استنزافاً حاداً في مخزونات السلاح الذكي والمتطور نتيجة طول أمد الحرب وكثافة الجبهات، ومن ناحية أخرى يمثل محاولة لتفريغ المخازن القديمة وتقليل التكاليف الاقتصادية الباهظة للعمليات.
إن اللجوء لسلاح يعود لسبعينيات القرن الماضي لمواجهة صواريخ إيرانية فرط صوتية ومنظومات دفاعية حديثة، يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة "الردع التكنولوجي" الإسرائيلي على الصمود في حرب استنزاف طويلة الأمد.
لقد أثبتت "ليلة تل أبيب" أن النفس الإيراني الطويل يعتمد على تكتيك "توزيع الألم"؛ ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن مسارات دبلوماسية، كانت الصواريخ الإيرانية تؤكد أن أمن الطاقة في المنطقة وحدة واحدة. فإذا أظلمت طهران، فلن تنعم تل أبيب بالضياء، هذا التلازم بين الميدان والسياسة يظهر أن إيران نجحت في خلق معادلة ردع متبادلة، حيث أصبح استقرار أسواق النفط العالمية وسلامة البنية التحتية في المنطقة رهينة لأي حماقة عسكرية تستهدف الداخل الإيراني.
من هنا يظهر المشهد الحالي أن الحرب لم تعد تُدار بالطائرات الشبحية وحدها، بل بالقدرة على التحمل اللوجستي واستقلال القرار التقني، وبينما يحاول ترامب المناورة بالدبلوماسية لتعويض تعثر أهدافه العسكرية، وتلجأ إسرائيل لمخازنها القديمة لسد العجز، تبقى الحقيقة الثابتة أن من يمتلك العمق الجغرافي والقدرة على التصنيع الذاتي هو من يحدد في النهاية شروط "الردع" فوق رمال المنطقة المتحركة.
اقرا ايضا:
ياسر بركات يكتب: مصر وإيران في مواجهة "فقاعات" الوهم
ياسر بركات يكتب: هذا ما حدث فى ديمونة.. وهكذا تحطمت أسطورة الكيان
ياسر بركات يكتب: "بِحَقِّ فَاطِمَةَ": صلاة العيد في مصر.. حين تُرتل السياسة في محراب العقيدة

