الشرق الأوسط بين مقصلة النار ونفاق الغرب.. كيف تهاوى الضمير الإنساني على أعتاب غزة ولبنان؟
إن ما يشهده قطاع غزة اليوم من حرب إبادة جماعية تشنها إسرائيل، وما يوازيها في الجنوب اللبناني من حرب إغتيالات وإستباحة للسيادة، ليس مجرد جولة أخرى من الصراع العربي الإسرائيلي التقليدي ، نحن هنا لسنا أمام معركة تكتيكية محدودة، بل نحن أمام إنفجار إستراتيجي كبير، يُعاد فيه صياغة المنطقة بالحديد والنار، وبضوء أخضر أمريكي لم يعد يكتفي بالصمت، بل بات يشارك في التخطيط، والتمويل، والتبرير،
لم يعد بوسع الماكينة الإعلامية الغربية أن تغطي عين الشمس بغربال الإنحياز؛ فالصور القادمة من أزقة غزة المدمرة ومن قرى جنوب لبنان، باتت تطارد الضمير الإنساني في عقر داره، وتكشف عن أزمة عميقة تعصف بمنظومة القيم العالمية، وتؤسس لعصر جديد من الظلم المعولم.
في غزة، لا تجري حرب بالمعنى العسكري المتعارف عليه بين جيشين، بل تجري عملية سحق ممنهجة لمجتمع بأسره ،
إن حجم المتفجرات التي أُلقيت على غزة يتجاوز بالقوة التدميرية قنابل ذرية أُلقيت في الحرب العالمية الثانية ، إنها إستراتيجية الأرض المحروقة التي تسعى إلى جعل قطاع غزة مكاناً غير قابل للحياة البشرية.
المعضلة الكبرى هي أن هذه الحرب تجري تحت بصر وسمع العالم، وبتأييد مطلق من الإدارة الأمريكية التي وفرت مظلة حصانة دبلوماسية في مجلس الأمن عبر إستخدام حق النقض ،وجسرًا جويًا لا ينقطع من الذخائر الذكية والقنابل الثقيلة ، هذا التلاحم العضوي بين واشنطن وتل أبيب جعل الغرب شريكًا مباشرًا في المأساة.
وإذا إنتقلنا للمشهد شمالاً نحو الجبهة اللبنانية، نجد أن الإستراتيجية الإسرائيلية تنتقل من سحق الكتلة البشرية إلى مشرط الجراح القاتل عبر حرب الإغتيالات الممنهجة ، في الجنوب الصامد، وبعمق العاصمة بيروت، تحولت التكنولوجيا الحديثة من أداة لرفاهية الإنسان إلى سلاح للقتل الأعمى، عبر تفجير وسائل الإتصال وإستهداف القيادات والنخب دون أي إعتبارات للقانون الدولي أو السيادة الوطنية، إن حرب الإغتيالات الإسرائيلية في لبنان تعتمد بالدرجة الأولى على تفوق إستخباراتي تكنولوجي، مدعوم ببيانات ومعلومات ترصدها شبكات التجسس والأقمار الصناعية الغربية ، هذا النمط من الحروب لا يهدف فقط إلى تصفية الحسابات العسكرية، بل يرمي إلى إحداث حالة من الرعب النفسي وشل قدرة المجتمعات على المقاومة أو التفكير.
إن الضوء الأخضر الأمريكي هنا يبدو واضحًا في تبرير هذه العمليات تحت لافتة الدفاع عن النفس، وهو مفهوم جرى تمديده وتشويهه إستراتيجيًا حتى بات يعني منح إسرائيل الحق في القتل في أي مكان، وفي أي وقت، وضد أي هدف.
إن الموقف الأمريكي ليس مجرد إنحياز عاطفي أو نفوذ لجماعات الضغط فحسب، بل هو جزء من صراع إمبراطوري أوسع للحفاظ على الهيمنة في الشرق الأوسط ، واشنطن ترى في الإنكسار الإسرائيلي إنكساراً للمشروع الغربي برمته أمام قوى إقليمية صاعدة وقوى دولية تتربص مثل روسيا والصين،
لذلك، فإن واشنطن مستعدة للتضحية بسمعتها، وبشعاراتها حول حقوق الإنسان والديمقراطية، في سبيل حماية ركيزتها الإستراتيجية في المنطقة ، لكن هذا الدعم الأعمى سيقود، إلى عزل أمريكا دوليًا وتعميق الفجوة بين الغرب والشرق.
إن الخطر الأكبر لهذه الحروب لا ينحصر في حدود غزة أو جبال الجنوب اللبناني، بل هو يمتد كمرض سرطاني ينهش في جسد الإنسانية جمعاء ، نحن نعيش اليوم لحظة تاريخية يجري فيها تأميم القانون الدولي لصالح القوي، وإلغاء القواعد التي توافقت عليها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.
عندما تُقصف المستشفيات، وتُباد عائلات بأكملها من السجل المدني، وتُستهدف طواقم الإغاثة الدولية والأممية دون رادع، فإن الرسالة الحقيقية التي تُرسل إلى العالم هي: لا توجد قواعد، القوة هي الحق.
هذا التحول الخطير يزرع بذور اليأس والعدمية في نفوس ملايين البشر، لا سيما الشباب في العالمين العربي والإسلامي ، إن إنتشار الظلم وشعور الشعوب بأن المجتمع الدولي يكيل بمكيالين، هو البيئة المثالية التي تنمو فيها الأحقاد، وتولد منها موجات جديدة من العنف الذي لن يقف عند حدود الشرق الأوسط، بل سيمتد لضرب العواصم الغربية نفسها.
إن التدقيق في وثائق هذه المرحلة ومجرياتها يقودنا إلى إستنتاج حتمي: إن إسرائيل، بنزوعها نحو القوة المفرطة والإنتقام الأعمى، والولايات المتحدة بتبنيها لهذا الهيجان، يرتكبان خطأً إستراتيجيًا وتاريخيًا قاتلاً.
التاريخ يعلمنا أن الجغرافيا لا تموت، وأن الشعوب قد تمر بمراحل ضعف وإنكسار، لكنها لا تستسلم للفناء ، إن القوة العسكرية، مهما بلغت غطرستها وذكاؤها التكنولوجي، عاجزة عن صياغة مستقبل مستقر إذا كانت مبنية على جثث الأطفال وأنقاض المدن.
إن ما يحدث في غزة ولبنان هو إختبار لضمير الإنسانية، وللأسف، فإن هذا الضمير يسقط اليوم سقوطاً مروعاً تحت وطأة النفاق الغربي ، لكن في المقابل، فإن هذا الرماد الذي يغطي أرض فلسطين ولبنان يحمل في أحشائه جمر الغضب القادم، فالظلم الشديد هو المقدمة الطبيعية للإنفجار الكبير، والأيام القادمة حبلى بالتحولات، ولن تظل الخارطة كما أرادها سماسرة الحروب في واشنطن وتل أبيب